علّمني جوزف سماحة أشياء كثيرة أهمّها أن التّحرر من الاستعمار، والهيمنة الخارجية لا يختلف ولا ينفصل عن التحرر من الاستبداد الداخلي. وأن الانحياز إلى مقاومة الهيمنة الغربية يُستكمل بالانحياز إلى الديموقراطية والتعددية وقيم الحداثة، كما علّمني أن تحرير الإنسان هو منطلق الخيارات التي يجب أن يتخذها المثقف الحقيقي.

خالد صاغية تلميذٌ وفيّ لهذا الخط والمنهج. بقلمه الحادّ رسم خطوطاً تؤصِّل لهذا الفكر. ينحاز إلى المقاومة من دون أن يعميه ذلك عن نقد أحزابها. ويرى الممانعة ضرورة من دون أن يجعله ذلك مؤيداً للأنظمة الاستبدادية. وهو في النهاية منحاز إلى الناس. لا أنسى لخالد أنه أعطى الفرصة (مع بيار) لكاتب مبتدئ مثلي للكتابة في «الأخبار»، إيماناً منه بضرورة إبراز الأصوات الشبابية في العالم العربي. والأهم أنّ هذه الكتابة جاءت ضمن مناخ حر، نادراً ما يتوافر في صحيفة عربية.
كان التحدي كبيراً أمام الصحيفة حين بدأت الاحتجاجات في سوريا. وكنت واحداً من مجموعة قراء لـ «الأخبار» في السعوديّة والخليج، سارعوا إلى مساندة المطلب المحق للمحتجين، ورفض ازدواجية المعايير في التعاطي مع الثورات العربية. ورأينا أن على «الأخبار» أن تقف في صف الحرية والديموقراطية وفاءً لنهج جوزف سماحة. وكان واضحاً أن وجهة نظرنا تلك، لا تعبّر عنها الجريدة إلا جزئياً... علماً أن الحدث السوري معقّد، وليس سهلاً التعاطي معه باختزاليّة، لكن خالد حفظ التوازن في مقالاته اليومية، وكتب بطريقة نقدية رائعة كعادته.
كتبت منتقداً موقف بعض المثقفين من الثورة في سوريا، ومنحازاً إلى مطلب المنتفضين على النظام، ونُشرت المقالة رغم قسوتها. وكان أن مُنعت الصحيفة من دخول سوريا بسبب مقالات جريئة، فسجّل إبراهيم الأمين موقفاً مهماً ضد عقلية الرقيب العقيمة من دون أن يلوم أيّاً من الكتّاب، وأنا منهم، على «توريط» الجريدة أو ما شابه. ومع تصاعد الأحداث، واشتداد الضغوط، كتبت ثانية ضد النظام، وأرسلت إلى خالد ما يشبه العتب على بعض الميوعة في تغطية الحدث السوري، معبّراً له عن خشيتي من منع المقالة وتحول الجريدة إلى نمط آخر. ويبدو أن كلامي استفزه فنشر المقالة في اليوم التالي.
موقف خالد الشجاع يستحق كامل الاحترام، وبالنسبة إلي وإلى كتّاب آخرين، فقد كان أوّل الذين حفظوا ماء الوجه أمام هذا التحدي الصعب. لكنني لا أكتب هنا فقط لأحيي خالد وأطالب بعودته، الأهم لنا، نحن أصدقاؤكم في السعوديّة، هو الحفاظ على روح خالد التي هي روح جوزف سماحة. المطلوب ألا تفرط الجريدة بخياراتها التي أعلنها جوزف في افتتاحيّته الأولى. تلك أمانة جوزف فلا تفرطوا بها. فكره يجب أن يتجلّى في هذه اللحظة التاريخية.