للمرة الأولى نجحت الدراما اللبنانية في تسجيل حضور عربي، مؤكدةً أنها لا تتعاطى باستخفاف واستهتار مع المشاهد اللبناني والعربي معاً. ويمكن الجزم بأن ثلاثة مسلسلات شقّت طريقها بنجاح إلى الجمهور، هي «الشحرورة» للمخرج أحمد شفيق وكتابة فداء الشندويلي، و«باب ادريس» للمخرج سمير حبشي وكتابة كلوديا مرشليان، و«الغالبون» للمخرج باسل الخطيب وكتابة فتح الله عمر.

البداية مع «الشحرورة» الذي مثّل فرصة مهمة للممثل اللبناني لانطلاقه في «أم الدنيا». يستطيع عمل بهذا الحجم استقطاب شريحة واسعة من المشاهدة، وهو ما حصل من خلال عرضه على قنوات «الحياة». كذلك فإنه أسهم في رفع نسبة مشاهدة تلفزيون «المستقبل» بنحو ملحوظ. وبدا تنفيذه متميّزاً لجهة الإخراج وإدارة الممثل، ولوحظ مدى اهتمام الشركة المنتجة «سيدرز آرت برودكشن» بإخراج عملها على أفضل صورة، رغم الظروف الصعبة التي مرّ بها المسلسل عند اندلاع «ثورة 25 يناير».
ومع ذلك، طالت العمل انتقادات كثيرة، وقيل إنه لا ينقل بدقّة حياة صباح، واعترضت العائلة، ومعها بعض الشخصيات التي ورد ذكرها في المسلسل. كذلك غابت عن السيناريو تفاصيل عدة، أهمّها أننا لم نرَ صباح المطربة، بل صباح المزواج والعاشقة... رأيناها في صورة مثاليّة لم تدّعها يوماً. ولعلّ المأخذ الأهم هو أن صباح ــــ «الشحرورة» كانت مختلفة عن صباح ــــ الواقع. أما كارول سماحة التي لم تكن مقنعة في أدائها للدور في المرحلة الأولى، فقد نجحت في تقمّص الشخصيّة بشكل أفضل لاحقاً، وخصوصاً أنها ممثلة ومطربة في آن، من دون أن يستفيد صنّاع العمل من كل إمكانياتها.
لا يختلف وضع «باب إدريس» كثيراً لجهة الاهتمام الواسع الذي لقيه. فقد أنجزت الشركة المنتجة «مروى غروب» عملاً بمواصفات جيّدة، تعود أحداثه إلى مرحلة ما قبل الاستقلال بأسابيع قليلة. ويرصد الحركة الاجتماعيّة لشارع باب إدريس في بيروت، وهو نموذج عن شوارع العاصمة التي نجد فيها التنوع الطائفي اللبناني. لكن يؤخذ على كاميرا سمير حبشي أنها راقصة أكثر من اللزوم، ولا تتماشى أحياناً مع الهدوء الذي نعرفه عن دراما ذلك الزمن. من جهتها، استطاعت الكاتبة الخروج بشخصيّات أعطت تنوّعاً للعمل، وأتقن الممثلون أداءها ببراعة لافتة، ومنها شخصية الثائر راشد (يوسف الخال)، وزكريا (يوسف حداد) الهائم في عشق زوجته الخائنة نجلا (نادين نسيب نجيم)، والضابط الفرنسي عمر (كارلوس عازار) الحائر بين انتمائه إلى لبنان وانتمائه إلى دولة الانتداب بعد تعلّقه بِعُلا (جويل داغر وهي شقيقة راشد وزكريا)، الكومندان الفرنسي (رضوان حمزة)، والراقصة شمس (ديامان بو عبّود) التي تخطط مع الثوّار للتخلص من نير الانتداب. وقد جاء أداء هذه الأخيرة مميّزاً ومتقناً. كذلك شاهدنا في العمل نماذج أخرى منها شخصية بدرية (تقلا شمعون) التي خانت زوجها العاجز، فرفضتها عائلتها، وتبيّن لاحقاً حملها من الفاخوري (نزيه يوسف)، إضافة إلى بيتر سمعان الذي قدم أجمل أدواره، ومجدي مشموشي في علاقته مع تقلا (نغم أبو شديد). لا تشبه قصة العمل التي تعود إلى زمن الانتداب واقع تلك الأيّام، ولا تدّعي الكاتبة أنها توثّق لتلك المرحلة. لكن مرشليان بالغت في مخيّلتها وأسقطت أحداثاً معاصرة لا يمكن أن تحصل، خصوصاً في العائلات المحافظة، واستخدمت عبارات من حاضرنا، كأن يقول زكريا لجده إن الفندق «عم يصفّر»، أي إن حركة الزبائن معدومة. وفي خلفية الصورة في إحدى الحلقات، مرّت سيّارة حديثة الصنع، ولم ينتبه إليها الإخراج، إضافة إلى الأخطاء في اختيار بعض الأغنيات ومنها «سمرا يا سمرا» لكارم محمود... كذلك نشاهد أخطاءً أخرى في تفاصيل المسلسل، منها ظهور راشد المقاوم بعد إعلان وفاته ــــ في محاولة للإيقاع بالفرنسيين ــــ في شوارع باب إدريس من دون أن يتنكر. وتبدو لافتة قدرته الدائمة على الاهتمام بمظهره الخارجي وحلق ذقنه، رغم أنه هارب من وجه سلطات الانتداب... والأهم من ذلك أنه لم ترد كلمة واحدة باللغة الفرنسيّة في عمل يحكي عن الانتداب الفرنسي للبنان. ومع ذلك، يمثّل «باب إدريس» عملاً جيّداً، وفرصة أثبت فيها الممثلون أنهم قادرون على التميّز عندما تتوافر لهم الظروف المناسبة. والأكيد أن العمل سيحدث نقلة نوعية في مسيرة ديامان بو عبود وجويل داغر، ولعله يكون خطوة تشجّع «المؤسسة اللبنانية للإرسال» على إنتاج مسلسل «أشرقت الشمس» الذي تعود أحداثه إلى ما قبل الاحتلال العثماني لمنطقتنا.
أما «الغالبون»، فرغم الانتقادات التي واجهها، يسجّل له أنه العمل الوحيد الذي نقل البيئة الجنوبيّة في زمن نشأة المقاومة الإسلاميّة، وإن بدا المسلسل تكريماً لمسيرة «حزب الله». كذلك هناك مأخذ آخر يسجّل على «الغالبون»، وهو عدم تنفيذ المعارك كما يجب، رغم أن ميزانيته وصلت إلى مليون دولار. ولا تزال الحلقات الأخيرة تحمل مزيداً من الأحداث المشوّقة بعد هروب المقاومين من المعتقل. وقد أتقن معظم الممثلين أداء أدوارهم، ومنهم أحمد الزين، وطوني عيسى، ودارين حمزة، وختام اللحّام، ومازن معضم، وتمكن بعض الممثلين، ومنهم فؤاد شرف الدين وبيار داغر، من التكلم بالعبرية على نحو مقبول، رغم مواجهة الفريق صعوبة كبيرة في تلقين الممثلين هذه اللغة.