كمال الصليبي (1929 ـــــ 2011) أحد أكثر المؤرخين العرب إثارةً للجدل. نظرياته التاريخية تبحر عكس تيّار الذاكرة الجاهزة التي فرضت نفسها على المدونات الرسمية. فكّك المسلمات في ذاكرتنا، وأسس لمنهجية حديثة في التحري عن الحقائق عبر ربط اللغة بالجغرافيا.

لا ينتمي مؤرخنا السجالي إلى أولئك الذين اعتادوا الثوابت. تتخطى هويته المعرفية الأنماط التقليدية في تدوين التاريخ. بدءاً من «منطلق تاريخ لبنان» (1979) أعلن السير عكس التيار، ورغم أن كثيرين استهجنوا خلاصاته، وخصوصاً أطروحته «التوراة جاءت من جزيرة العرب» (1985) التي تفنّد الرواية الدينية عن تاريخ اليهود في فلسطين... تابع صاحب «طائر على سنديانة» (2002) أبحاثه التي عُدّت بمثابة الانقلاب.
في «البحث عن يسوع» (1988)، أكمل المنعطفات التاريخية، مزعزعاً الرواية المتوارثة عن ولادة المسيح في بيت لحم، وظهوره في الناصرة ثم القدس. توصل إلى أنّ ثلاثة من الناس كانوا يكنّون بـ «المسيح»: عيسى بن مريم، ويسوع الذي من آل داود، المطالب بعرش جده ـــــ وهذا ولد في وادي جليل في منطقة الطائف، وصُلب في القدس ـــــ وإله العيس في الحجاز، أي إله الخصوبة. وأكد أنّ مريم اسم خالة المسيح لا اسم أمه. ونقل عن وهب بن منبه في كتابه «التيجان في ملوك حمير» أنّ قبر عيسى بن مريم كان موجوداً حتى القرنين الأولين من ظهور الإسلام على رأس جبل جمناء جنوب يثرب.
ولد كمال الصليبي في بيروت، عام 1929. دخل الجامعة الأميركية في بيروت حيث درس التاريخ، وبعدها سافر الى بريطانيا لينال الدكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط، على أطروحته «المؤرخون الموارنة وتاريخ لبنان في العصور الوسطى» (1953). ثم عاد الى لبنان أُستاذاً للتاريخ في الجامعة الأميركية، ودرّس فيها بين 1954 و1997، حيث كان رئيساً لدائرة التاريخ، ثم انتقل إلى الأردن، حيث عُهد إليه تأسيس المعهد الملكي للدراسات الدينية، وبقي فيه رئيس شرف مدى الحياة.
أهمية المؤرّخ اللبناني الراحل، تكمن في المناهج التي اتبعها. عمله كمؤرخ ارتكز على دراسة التاريخ وتفكيكه، وربط اللغة بالجغرافيا. درس النصوص التاريخية المارونية المتعلقة بتاريخ لبنان في «العصور الوسطى». ليست هناك من حقيقة نهائية أو يقينية بالنسبة إليه. هذا المنهج النقدي البنّاء طبّقه في دراسته للنص التوراتي فوضع «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، حيث أكّد أنّ التوراة الموجودة حالياً عبارة عن مجموعة من الكتابات الأدبية لشعب من شعوب العرب البائدة اسمه بنو إسرائيل، وأن البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين، بل في غرب شبه الجزيرة العربية، بمحاذاة البحر الأحمر، وتحديداً في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن، وبالتالي فإن بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة، أي من شعوب الجاهلية الأولى.
التاريخ مع كمال الصليبي له مذاق آخر. هو تدقيق وتنقيب وحفر، واستقراء النص عبر لغته وأخذه الى أصوله. قطع صاحب «تاريخ الجزيرة العربية» (1980) مع التاريخ المقدس، فالشك أساس المعرفة. وقد نجح في التمييز بين الأساطير والوقائع. أصابنا المعلّم الراحل بجراح معرفية متسارعة، ما دفعنا الى قلب المعادلة الديكارتية التي أصبحت معه «أنا أشك إذاً أنا موجود». هذه المعادلة طبقها الصليبي عبر التحري عن أمكنة اللغة وتطوراتها، وقد تجلى منهجه في كتابَيه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» و«البحث عن يسوع، قراءة جديدة في الأناجيل». فهل يعني ذلك أن كل التاريخ الديني للديانات التوحيدية أصله من الجزيرة العربية؟ طرح السؤال يكفي لهدم ما هو سائد.
القلق عند الصليبي أساس المعرفة. وعلى هذا الأساس كتب التاريخ الديني والسياسي، فقد انقلب على التراث المكتوب وسعى الى أنسنة الوقائع والأحداث التاريخية، فبدا نصه خالياً من الأساطير والمقدسات، وأقرب الى الحقائق الجرحية التي تريح العقل أكثر من الايديولوجيا. ينتمي صاحب «بلاد الشام في العصور الإسلامية الأولى» (1979) الى جيل مبدعي الفكر العربي المعاصر أمثال هشام جعيط ومحمد أركون. ورغم اختلاف المشروع المعرفي، يبقى الجامع بينه وبين من عاصرهم نقد التاريخ والكشف عنه بسواده وإشعاعه.كان الراحل شديد الاعتزاز بعروبته. ولطالما أكد أنه يفتخر بانتمائه الثقافي الى العرب والإسلام. ورغم أنه مسيحي، فقد كان يعدّ نفسه مسلماً بتوحيده.
اختار هذا العالم والمؤرّخ العزلة الطوعيّة، ولم يتزوج. ربما لأن الوقت لم يسعفه، بعدما أمضى الجزء الأكبر من حياته في التدريس والتأليف باللغتين العربية والإنكليزية (مؤلفاته العربية صادرة عن دار «الشروق» الأردنية، و«نوفل» و«نلسن»، و«قدمس»).
مع رحيل الصليبي، الذي اتهمه ذوو العقول الضيقة بالضلال، خسر العالم العربي أحد أهم مؤرخيه ممن تصدوا للتاريخ الرسمي، وتركوا وراءهم إرثاً علمياً، قد تدرك أهميته الأجيال المقبلة شريطة أن تعلم «أنّ الشك مفتاح المعرفة».




الألمع في جيله

«قلبه بسيط وعقله معقّد»، هكذا وصف الأكاديمي والكاتب طريف الخالدي صديقه الراحل كمال الصليبي الذي زامله في دائرة التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت ابتداءً من عام 1970. وقد قال الخالدي في حديث لـ«الأخبار» إنّ الصليبي «أهم مؤرّخ لبناني معاصر، والألمع في جيله الممتد من أواسط القرن العشرين حتى الآن». ورأى الخالدي فور تلقّيه نبأ الرحيل، أنّ هذه الأهمية تبرز أكثر في كتابيه «تاريخ لبنان الحديث»، و«بيت بمنازل كثيرة» الذي «أرّخ فيه كتابة التاريخ، إضافةً إلى أعماله التوراتية وغيرها». وأضاف الخالدي أنّ الصليبي آمن بأنّ «التاريخ قصة يجب أن تروى، وتمتّع بنفس الراوي الذي يسرد الحكايات».
أما المؤرخ والاقتصادي والكاتب اللبناني والوزير السابق جورج قرم، فقال لوكالة «فرانس برس» إن «الصليبي احتل موقعاً كبيراً في مجال التأريخ. ورغم أن بعض أعماله كانت مثيرة للجدل، إلا أنّه احتلّ مركزاً مرموقاً في الحياة الفكرية اللبنانية والعربية. وقد أغنى المكتبة العربية واللبنانية بأبحاث معمقة ومكتوبة بأسلوب مشوّق وجميل»