فريدة تريد أن تعرف كل شيء. أسئلتها البسيطة تظهر دقة ملاحظة وحشرية لمّاحة، ولا توقفها إلا تساؤلات كثيرة أخرى: «إذا بعبي الهوا بالمرطبان بضلّو بعد ما موت؟»، «ماما إذا الهوى طعمتو أو ريحتو كبّة مقلية وعبّيتو بالمرطبان، لما بفتح المرطبان بشم ريحة الكبّة؟». بحشرية وطرافة فريدة، بطلة القصة المصورة «فريدة والهوى» (كتابة: ندين توما ــ رسوم جورج أبو مهيّا وصوفي كيريف) في آخر صفحات المجلة، تتابع أقسام «مجلة قنبز» للإجابة عن جميع الأسئلة التي تستفزّ رأس الأطفال. وبرغم أنه العدد الأوّل، سيتعرف المتصفح فوراً إلى طيف «قنبز»، الذي يقف خلفها.


الإبتكار البصري، والتصميم الغرافيكي المعاصر (لين شرف الدين)، والألوان النضرة، والحكايات واللغة العربية الجدية، التي تستعين بالمرح والفكاهة لتبديد الطابع التقليدي والجاف للغة، عناصر تأتي نتيجة تراكم تجربة وخبرات الدار، وتكريساً لفلسفتها منذ تأسيسها عام 2006.
على مدى 9 سنوات أصدرت الدار 33 كتاباً لفئات عمرية مختلفة، وقدمت ندين توما عروضا مسرحية حكواتية، فيما أنجزت مجموعة معارض أهمها «طير يا طير...». رحلة توّجت أخيراً، بمشروع جديد هو «مجلة قنبز» (مع موقع تفاعلي/ راجع الكادر) التي تحمل في عددها الأول (صيف ــ 2015) عنوان «الطّيران». دعت مؤسسة الدار ورئيسة تحرير المجلة مجموعة من الفنانين والأكاديميين والباحثين والمصممين للبحث في موضوع الطيران الذي يرتبط بالدار ارتباطاً وثيقاً.
بين الخرائط والتاريخ والسياسة والجيولوجيا والسينما والعمارة والآثار والقصص والميثولوجيا قلّب المشاركون موضوع الطيران على أوجهه الكثيرة. استلهموا مواضيعهم من البيئة اللبنانية، والتراث العربي والفنون العالمية، ليخرج العدد أشبه بكتاب موسوعي (23 باباً ــ ضمن 200 صفحة)، مرفقاً بملحق علمي أعده أستاذ الفيزياء في «الجامعة الأميركية في بيروت» جهاد توما وهبة فران.
هكذا تقتحم المجلة عالم الطفل برؤى جريئة، أو لعله مجرّد الإيمان «بالحلم»، بحسب تعبير ندين توما (راجع الكادر)، للتأثير في المناهج المدرسية، مقترحة طرقاً معرفية معاصرة فنياً ولغوياً. تكفي لعبة صغيرة أو حكاية ممتعة، لتلطّف المعلومات العلمية التي تهرّب أكثر الطلاب اجتهاداً، أو لتجعل من الجاحظ بطلاً كرتونياً، ومن الحمام الزاجل وسيلة أجمل من
الهليكوبتر.
ملصقات الطيران، إلى المغرب وسوريا ولبنان ومصر وبغداد والكويت، تتوزّع بألوانها ورسومها على باب «من العالم العربي». تعيدنا «صور من العالم العربي» إلى استديوهات المصورين حول العالم العربي، حيث كانت رحلات الطيران تمر باستديوهات المصورين بين 1927 و1955. الصور المأخوذة من «مجموعة المؤسسة العربية للصورة»، تحمل عنوان «تصوّروا أننا نطير»، وتظهر لقطات لأشخاص يقفون خلف مجسمات طائرات بالأبيض والأسود، التي تمثّل ديكورات الأستوديو. كيف شيّد «أوتيل بارون» في حلب عام 1911؟ في «عمارة» تخبرنا المهندسة المعمارية منى الحلاق، على لسان أرمين مظلوميان قصة تأسيس الفندق الشهير في مدينة حلب السورية.
ترافق القصة صوراً مختلفة للفندق، وتليها المحطات الأساسية واللحظات الإستثنائية التي احتضنها المكان (بحث ورسوم جوان باز) مثل الخطاب الشهير الذي ألقاه الأمير فيصل من على شرفة الفندق، معلناً استقلال سوريا عن السلطنة العثمانية، أو زيارة أغاثا كريستي إلى الفندق عام 1934.
التوثيق حاضر أيضاً في قسم «الأرض». يقدم الأكاديمي داني عازار بحثاً وصوراً عن أقدم الحشرات في العنبر من بينها تلك اللبنانية، بعدما يعرّفنا على دراسة مستحثّات الحشرات أي الـ palaeoentomology. ومن يسعَ إلى معرفة كمية الهيليوم التي يحتاج إليها ليطير، فسيكتشف ذلك في باب «إنفوغرافيكس ــ معلومات بصرية»، الذي أعدته بحثاً ورسماً هبة فران تحت عنوان «هيليوم للطيران ــ لماذا تطير بالونات الهيليوم؟». بالاستناد إلى المعلومات المبسطة والرسوم الملونة المينيمالية تشرح فران كمية الهيليوم التي تحتاج إليها قطة أو دراجة هوائية أو حتى منزل للتحليق، وفيما تكاد تغيب اللغة العربية عن كافة مواد العلوم في المدارس اللبنانية، سنخوض في أسئلة وحسابات تطبيقية عربية لمعرفة كمية الهيليوم التي يحتاج إليها واحدنا للتحليق مع البالونات. خريطة «قنبز» الطوبوغرافية تظهر مناطق تجمع الطيور في لبنان، من بينها حوش عميق الذي يعد مكاناً آمناً ومحط استقطاب لمختلف أنواع الطيور، لا في لبنان فحسب، بل في الشرق الأوسط أيضاً. نتعرف عليها مع ميشال ستاندجوفسكي، الذي يستعرض فيها أنواع اليعاسيب والفراشات والعصافير التي تحط في المستنقع. ضمن القالب الملوّن والفتي نفسه، يحضر التراث العربي.
وقفة مع ندين توما على كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لأبو يحيى زكرياء بن محمد القزويني (1203 ــ 1283)، تكفي للتعرف على بعض الكواكب والنجوم في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية مثل كوكبة الغراب وكوكبة القنطورس.
ومع خط «النسخ» الذي ولد في القرن الحادي عشر، يكتب الفنان اللبناني سمير الصايغ فعل «وَكوَك»، الذي يصدره الحمام، سنرى كيف تخيّل الصوت بعد أن نتعرف إلى خط النسخ في نص لعليا كرامي.


دعت ندين توما مجموعة
من الفنانين والأكاديميين للبحث في موضوع الطيران

تتسلل السينما إلى صفحات المجلة، بينما لا يزال الكلام عن هذا الفن بعيدا عن ثقافة وأدب الطفل كل البعد. «ضوء قويّ، ضوء خافت، ضوء الشمس... ضوء النجوم، القمر أو ضوء السيارة...»، يبدأ رائد رافعي وحسين نخال نصهما/ بحثهما «تاريخ السينما» في قسم «سيناماتوغرافيا». اتساع العين والحركة والدماغ والنظر والكاميرا والتقاط الثواني عناصر أولية لصناعة الفيلم.
سيقودنا الشابان نحو مراحل وتطوير السينما، من التحميض والتظهير، وصولاً إلى الكينتسكوب والسيناماتوغراف ضمن قالب سردي ممتع. يتوقف قسم سيناماتوغرافيا أيضاً عند أفلام مرتبطة بثيمة الطيران، مثل «رحلة إلى القمر» لجورج ميليس، و»الشمال من الشمال الغربي» لألفرد هيتشكوك، و»قصر في السماء» لهاياو ميازاكي، و «السماء فوق برلين» لفيم فندرز، و»البداية» لصلاح أبو سيف، مرفقاً بشرح لأهم المشاهد فيها. وبين مصر وجبيل يسافر بنا النسر المحلّق في قسم «علم الآثار» للتعريف ببعض المحتويات التي يضمها «المتحف الوطني في بيروت». تعرفنا آن ماري عفيش على النسر المحلق الذي يبلغ عمره 3500، والمصنوع من الذهب الصافي.
يحضر الإبتكار أيضاً في الألعاب والتلوين ووسائل تعليم الأطفال التقليدية. الأحلام تفوق حجم الرأس في «حكايات حكايي» (نص حسين نخال، ورسوم دافيد حبشي وحسين نخال)، لكنها الملاذ الآمن برغم كل شيء، وبرغم أن «المنام إلو عينتين». هناك أيضاً ثلاث قصص رسوم متسلسلة. الخيال يصنع الأجنحة في «البترانودون» للؤي داوست، فيما تمنح النظارات قدرة خارقة على تطيير كل شيء في «عوينات الفرجة» لرالف ضوميت. أما فريدة، فهي شخصية ثابتة في المجلة، ولعلها الناطق الرسمي بأفكار المشروع بأكمله، لكن علينا أن ننتظر 6 أشهر لنلتقيها مرة أخرى في العدد الثاني من المجلة الذي يتمحور حول «الزيتون».



الحلم

في أيلول (سبتمبر) سيتوجّه فريق «قنبز» بالتعاون مع البلديات إلى صور وصيدا والباروك وعمّيق وبيت الدين والشوف ودوما، ضمن برنامج إطلاق المجلة الذي يتضمن عروض الحكواتي والألعاب والموسيقى. إنّها الخطوة الأولى من «حلم» تقريب اللغة العربية من الناس والأطفال، الذي تسعى الدار إلى تحقيقه عبر المجلات والكتب والأنشطة. «نحن مع المعرفة لا مع التعلّم والتلقين والوعظ»، تقول ندين توما لـ «الأخبار»، مضيفةً «إنّنا خلقنا الأداة ونريد لها أن تستمر». لهذه الغاية، تبدي الدار استعداداً لتلقي الدعوات من المدارس والأساتذة للتعاون على تحقيق هذا الحلم والوصول إلى كل الطلاب. خطوة بدأتها الدار من خلال تخفيض سعر المجلة إلى 15 ألف ليرة لبنانية.





الموقع الإلكتروني

تزامناً مع إطلاق العدد الأوّل في حزيران (يونيو) الماضي، أطلقت «دار قنبز» موقعاً إلكترونياً تفاعلياً للمجلة باللغة العربية (www.majalletonboz.com). هي مجلة حركية وصوتية متطوّرة تتضمن بعض الأفلام الوثائقية القصيرة التي أعدتها سيفين عريس حول ثيمة الطيران، إلى جانب تسجيلات لبعض الحكايات بصوت ندين توما، ترافقها عريس على العزف الموسيقي. تدخل المجلة أيضاً عالم التطوّر التكنولوجي إلى ما هو أبعد من مواقع التواصل الإجتماعي، عبر تطبيق majalletonboz المتوافر عبر نظامي التشغيل الخاصين بـ «غوغل» و«آبل». وإلى جانب الألعاب والأسئلة التطبيقية التي يؤمنها الموقع، صدر مع المجلة أيضاً بعض الألعاب لصناعة الأشكال الورقيّة.