ينتظر أسعد الجبوري مؤسسة ثقافية، أو دار نشر عربية كبرى، تتبنى مشروعه الموسوعي الضخم «أنطولوجيا الشعر العربي». وكان الشاعر العراقي المقيم في الدنمارك قد أنجز هذه الأنطولوجيا في 18 مجلداً، تغطي نحو نصف قرن من تاريخ الشعر العربي (1950 ـــ 2010)، موزعة على البلدان العربية كلها، علماً بأنّها أول أنطولوجيا شاملة ترصد الحركة الشعرية العربية في مختلف أطيافها، وتياراتها، ومدارسها، من تجارب بدر شاكر السياب ونزار قباني وأدونيس، إلى أحدث تجارب قصيدة النثر العربية. ويتوقف المشروع عند أبرز الأصوات الشعرية اللاحقة التي حرثت عميقاً في تأصيل بنية هذا النص، ووضعته أمام مفترق حاسم، والجبوري ـــ حسبما يؤكّد ـــ منحاز إلى الشعرية أولاً، بصرف النظر عن سطوة الأسماء.

تأتي أهمية هذه الأنطولوجيا، خلافاً لما سبقها من مشاريع مشابهة، من عمليات الرصد والتوثيق والأرشفة البيبلوغرافية، إلى سبر نقدي لأبرز الدراسات والحوارات التي تناولت أعمال هذا الشاعر أو ذاك، ما يشكّل صورة بانورامية عن حياة الشاعر، وخصوصية تجربته في المشهد الشعري المحلي أولاً، والعربي ثانياً.
لا يكتفي صاحب «أولمبياد اللغة المؤجلة» بذائقته وحدها في تقويم النصوص المختارة، بل يتكئ على دراسات نقدية معمّقة، أسست لحركة الشعر واتجاهاته وتقنياته، بهدف سد الفراغات التي تخص كل تجربة عربية على حدة.
بدأت فكرة هذه الأنطولوجيا منذ سنوات، حين اشتكى أكاديمي دنماركي مهتم بتاريخ الشعر العربي المعاصر من ندرة النصوص العربية في اللغة الدنماركية، واقترح على الشاعر العراقي إنجاز مختارات من الشعر العربي لتدريسها للطلاب الأجانب في إحدى جامعات كوبنهاغن. لكن المشروع اتخذ منحى آخر، وذهب نحو تأريخ الحداثة الشعرية العربية، مستفيداً من أرشيف الموقع الإلكتروني الذي يديره الجبوري باسم «الإمبراطور». وهو واحد من أبرز المواقع العربية في استقطاب النصوص الشعرية النافرة. وإذا به، كما يقول، أمام كمّ هائل من النصوص لشعراء طالما كانوا خارج التصنيف، أو الاهتمام، وخصوصاً تلك النصوص التي تأتي من الأطراف، وليس المركز وحسب.
الجديد في هذه الأنطولوجيا، يتمثّل في تجاوزها حدود الشعر العربي، لتتعداه إلى الشعراء العرب، ممن يكتبون بلغات أجنبية. وهم مجهولون غالباً لقرّاء لغة الضاد. كما يتضمن المشروع أنطولوجيات أخرى ترصد الشعر الفرنكوفوني، والكردي، والتركماني، والأمازيغي، إلى جانب أنطولوجيا خاصة تسجّل حركة شعر العامية في العالم العربي وتاريخه (زجل، وشعبي، ونبطي، ومحكي، وبدوي...).
لا يعلم أسعد الجبوري اليوم، مصير هذه المشروع، بعدما اعتذرت أكثر من مؤسسة رسمية، وعاصمة ثقافية عربية عن عدم تبنيه. حتّى الآن، بقي الأمر قيد الوعود والحماسة الشفوية، لكنه ربما يصدره في أسطوانة مدمجة، يقول ذلك، وهو يشير إلى «الفلاش ميموري» التي تتدلى من عنقه مثل قلادة.