هذه الأيّام، لا يخلو الجوّ في الكونسرفتوار من ترقّب ممزوج بتوجّس واستياء. يتخوّف بعضهم من ضياع المعهد بسبب الطابع السياسي الذي قد يتحكّم في عملية تعيين خلف وليد غلمية، مغلّباً منطق المحاصصة والتجاذبات الداخلية على الكفاءة. إنّها لعبة المصالح والتوازنات الهشّة والمدمّرة التي تستدرج الكونسرفتوار إلى الحضيض.


ألا يُفترض أن تقفز الموسيقى فوق واقع لبنان السقيم، وتكون عابرة للطوائف والمتاريس؟ بعد جولة في الكواليس، اكتشفنا أن معركة رئاسة الكونسرفتوار لا يقودها الموسيقيون! ويطالب موسيقيّون بارزون في المعهد وخارجه بأن يجري اختيار خلف وليد غلميّة على أساس تنافس ديموقراطي لا يقوم على الأهلية فحسب، بل على مشروع وبرنامج إصلاحيين، ومعادلة تجمع بين الاتّجاه الأكاديمي والإداري والحسّ الإبداعي. ولا نذيع سرّاً إذا ذكّرنا بأن الكونسرفتوار يكتوي داخليّاً بالكيْد والنزاعات. والأهمّ أنه يشهد صراعاً بين تيّارين: الأوّل يميل إلى العصرنة والتطوير، والثاني محافظ واتّباعي.
«إذا هبط مدير الكونسرفتوار بالمظلّة، قولوا: تصبحون على كونسرفتوار». هذا ما يردّده معظم الأساتذة الذين يفضّلون رئيساً من طاقم المعهد «عالماً بشؤونه وشجونه». بناءً عليه، أصبحت الخيارات (شبه) محصورة بثلاثة مرشّحين حاملي الدكتوراه: هاروت فازليان، ووليد مسلّم، ولور عبس. مع ذلك، لا يمكن التكهّن بما ستفضي إليه التطوّرات. المرشّحون كثر، والتعيين «سرّي»! مع رحيل غلمية، بدأت تخرج المشاكل إلى العلن. وتجرّأ بعضهم على قول الحقّ والانتقاد بعدما كان الكلام «ممنوعاً» قرابة 20 سنة بموجب «مذكّرة» وتعليمات صارمة في الكونسرفتوار. ثمّة فنّانون لبنانيون مبدعون أقصاهم الكونسرفتوار، وها هو النظام الطائفي اللبناني وآلية التعيين يهدّدان بإقصائهم مرّة أخرى.
«أنا من متخرّجي المعهد الوطني العالي للموسيقى. علّمتُ في رحابه، وطُردتُ من الهيئة التعليمية في بداية الحرب الأهلية لأسباب سياسية»، يقول مرسيل خليفة. «ذهبتُ إلى معهد موسيقي أكثر اتّساعاً، وقدّمتُ مساهمتي المتواضعة لتحسين نوعية التعليم الموسيقي والأداء من خلال أعمال أنجزتُها. الكونسرفتوار اللبناني بحاجة إلى شحنة إبداعية ليطلع من عالمه المسوّر بالسكون». يرى مرسيل أنّ «لبنان لا يوفّر مناخاً فنّياً يضمن تطوّر الكونسرفتوار، فكل شيء في الوطن مسيّس على نحو طائفي بغيض».
يدعو خليفة إدارة الكونسرفتوار إلى «تجاوز الطروحات الماضية العقيمة التي أوصلتها إلى أفق مسدود، وإعادة النظر في الأساليب السائدة لخلق ديناميّة متطوّرة في فهم آلية البحث الموسيقي والتعليم، واستنباط أفكار جديدة على مستوى الأساليب المتّبعة في المناهج والدراسات». ويضيف خليفة: «نحن أمام مديرين يشبهون الزعماء ويعتقدون أنّ انفرادهم بالسلطة حقّ إلهي مقدّس. الأشياء حولنا تتغيّر والأفكار تتبدّل، لكنّ السلطة لم تنتبه إلى حجم المأساة التي تلفّ التعليم الموسيقي عندنا». ودعا «وزير الثقافة الذي لم نسمع صوته حتّى الآن إلى إدراك خطورة الموقف، وإنقاذ المعهد من الانقسام الحادّ على أساس العصبيّات التي تتحكّم في الحياة السياسيّة في البلد».
في المقابل، يدعو عضو مجلس إدارة الكونسرفتوار، أغوب أرسلانيان، وزير الثقافة غابي ليون إلى التريّث، ودراسة قراره. ويدافع عن المناهج الأكاديمية الغربية المعتمدة (باستثناء منهج الصولفيج)، والاستراتيجية التي اعتمدها الكونسرفتوار خلال العقدين الماضيين. «بدأ تاريخ المعهد الفعلي عندما ترأسه غلمية في مطلع التسعينيّات. وحّد الكونسرفتوار، وأنشأ فروعاً في العديد من المناطق اللبنانية، وأسّس الأوركسترا الوطنية السمفونية و«الأوركسترا الشرق ــــ عربية». كيف ينسى بعضهم منجزاته سريعاً؟» يقول أرسلانيان. ويضيف في حديث إلى «الأخبار»: «كان غلمية مدركاً الخلل، لكنّ الأمور لم تكن كلّها في يده، والدولة لم تساعده في حلّ المشكلات المادّية». ويشدّد أرسلانيان على ضرورة تعيين الرئيس وفقاً لخبرته الأكاديمية والإدارية وكفاءته، ويعرب عن خوفه على واقع الكونسرفتوار المأزوم. الأرجح أن الأوضاع ستتأزّم أكثر، إذا استند تعيين الرئيس إلى الأسس نفسها التي بُني عليها هذا الوطن. «إذا تعذّر التغيير حالياً في لبنان ــــ يقول ــــ فيجب تحييد الكونسرفتوار على الأقلّ»، وانتشاله من بؤس الطائفية والمذهبية و«القبلية» وهَلَكة الانقسام.