مع رحيل وليد غلمية (1938 ــــ 2011)، بدأ الحديث عن شغور رئاسة «المعهد الوطني العالي للموسيقى»/ الكونسرفتوار. هذه المسألة لم تكن موضع نقاش على مدى 20 عاماً (فترة رئاسة غلمية). لقد تحوّلت هذه الوظيفة، بنحو غير مُعلَن إلى منصبٍ «مدى الحياة». تداوُل الأسماء حصل بعد غياب «الرئيس الأبدي».


هكذا جرى تناول الموضوع في الإعلام والكواليس، وأُخِذَتَ آراء مرشّحين وأستاذة في الكونسرفتوار. نتج من ذلك اتفاقٌ بين هؤلاء على عدم الكلام علناً، في انتظار ما سيقرِّرُه وزير الثقافة غابي ليون (المعني باختيار اسم الرئيس وطرحه على مجلس الوزراء للموافقة عليه).
اتصلنا بمختلف المعنيّين لتناول الملفّ بمختلف جوانبه، وكانت النتيجة أن امتنع بعضهم عن التعليق، فيما قبل بعضهم الآخر بالإدلاء برأيه في مشاكل الكونسرفتوار ورئاسته ومستقبله واختيار رئيسه، مشترطاً عدم ذكر اسمه. بدايةً، يجب القول إنّ ولاية الراحل وليد غلمية لم تكن وردية للكثير من المعنيّين الجدّيّين بالساحة الموسيقية المحلية (الأكاديمية والفنّية). بعضهم يرى أن غلمية كان يفرض آراءه، محوِّلاً المعهد إلى مؤسسة الرجل الواحد. هذا الأسلوب ذاته كان محطّ إعجاب (خصوصاً الجانب الإداري) لدى شريحة من التلاميذ والأساتذة. كذلك، عانى عددٌ من أساتذة الموسيقى والفنانين اللبنانيين من «تهميش مقصود واستنسابية في التعامل» من قِبَل إدارة الكونسرفتوار، على حدّ تعبير أحد المرشحين الحاليّين لرئاسة المعهد.
في المقابل، تعترف الأغلبية بإيجابيات تلك الحقبة لناحية الحد الأدنى من النهوض الذي شهده الكونسرفتوار، وتأسيس الأوركسترا الوطنية بعد الحرب الأهلية. لكن الكثير من الأمور لم يجر تطويرها. أضف إلى ذلك ملاحظات عازفين مرموقين في الأوركسترا على أداء الأخيرة وقيادتها تحت عصا غلمية. والأخطر من الأداء الموسيقي، هو الأداء الوطني، أي الدور الذي لم تؤدّه هذه الأوركسترا في احتضان أعمال مؤلفين لبنانيين من خلال تقديمها للجمهور.
لكنّ هذا الماضي بحسنات ترْكَته وسيئاتها، يصبح «تحفة» مقارنةً بالحديث الجاري عن معالجة شغور هذا المنصب! بعد رحيل غلمية، قيل إن القوى السياسية اللبنانية طرحت مرشحيها! فلان عَلَت أسهمه مع تأليف الحكومة الحالية، لأنّه محسوب على قوى 8 آذار! فلانٌ يتمنى أن تسقط الحكومة كي يكفل المنصب! أي كلامٍ عن المستوى الأكاديمي الموسيقي والإداري، والحضور الفني والموهبة، لا مكان له الآن هنا للأسف، فضلاً عن الكلام الطائفي المقزّز، مع العلم بأنّ بعض الأسماء المتداولة لا تتمتّع بالحدّ الأدنى من المواصفات التي تخوّلها اعتلاء المنصب، وبالتالي قد يؤدي تعيين أحدها إلى انهيار هذه المؤسسة.
للاطلاع على تفاصيل هذا الملف وصحّة الكلام على المحسوبيات السياسية في معالجته، حاولنا الاتصال بوزير الثقافة غابي ليون الذي أحالنا على مستشاره في الوزارة، المسؤول في التيار الوطني الحرّ ميشال دي شادارفيان. يرفض الأخير الكلام عن التدخّل السياسي في تزكية هذا المرشّح أو ذاك. يقول: «هذه تكهّنات صحافية لا أساس لها». ويضيف: «لا أحد يجرؤ على طرح الموضوع من هذه الزاوية على الوزارة، لكونها في عهدة التيار الوطني الحرّ، المشهود له بمحاربة الفساد الإداري». ويتابع دي شادارفيان: «نحن في مرحلة دراسة سِيَر المرشحين الذين وصل عددهم إلى أكثر من 30، آخذين في الاعتبار معيارين: الكفاءتيْن الموسيقية والإدارية» (راجع لائحة أبرز المرشحين ص13). ويلفت مستشار وزير الثقافة الذي تواصلنا معه قبل عيد الفطر، إلى أنّه لا أسماء مُرجَّحة حتى الساعة.
قد يُقفَل الملف قريباً بتعيين رئيسٍ للكونسرفتوار، وقد تطول المسألة كما يرجِّح أحد المصادر المطّلعة الذي يرى أن «رئيس الكونسرفتوار بالإنابة حنّا العميل (مسؤول دائرة النشاطات الثقافية في وزارة الثقافة)، يسيِّر الأمور الإدارية جيداً». وفي خضمّ الرهان على اسم الرئيس الجديد، يكاد ينسى الجميع أن المشكلة ليست في الأسماء، بل في وجود برامج لإنهاض هذه المؤسسة. المعنيّون بالموسيقى ومعظم أساتذة الكونسرفتوار الذين التقيناهم يطالبون الرئيس المنتظر بإصلاحات عديدة، منها: فتح قنوات محلية للأوركسترا الوطنية عبر اعتبار أعمال المؤلفين اللبنانيين أولوية على جدول أعمالها (كما يحدث في بلدان العالم). مدُّ هؤلاء بموسيقيين من الأوركسترا أو من الكونسرفتوار، والعمل على إعدادهم ليكونوا في المستوى المطلوب ويوفّر عليهم اللجوء إلى أجانب. إعداد التلاميذ ثقافياً عبْر بناء مكتبةٍ مرموقة للتسجيلات الموسيقية.
سيكون مطلوباً من الرئيس الجديد أيضاً: تحديث مناهج التدريس، وإقرار رواتب تليق بأساتذة المعهد وأعضاء الأوركسترا، وإرسال الطلاب المتفوقين إلى خارج لبنان في دورات تدريبية، وإلغاء النهج الاستنسابي في كل الاتجاهات التي تربط المعهد بالحالة الموسيقية اللبنانية...
كل هذه المهمّات لا يجوز أن يُنظر إليها على أنّها أحلام. إنّها برأي رموز الموسيقى اللبنانيّة، على اختلافهم، الحد الأدنى المطلوب من أيّ إدارة جديدة، ومن وزير ثقافة ينتمي إلى «تيّار التغيير والإصلاح». على ليّون أن يكسب رهان إصلاح الكونسرفتوار وتحديثه على أسس أكاديميّة، عقلانيّة وعصريّة. وليس مسموحاً له بأن يفشل أو أن يقع في لعبة السياسة اللبنانيّة، فيعيد الكونسرفتوار الى زمن المحسوبيّات والمصالح الصغيرة والحسابات الطائفيّة المقيتة.