كان العرض في الشارع، مساء أمس، عند مستديرة الطيّونة، لا في «دوّار الشمس» حيث اللقاء التضامني مع الشعب السوري. في مواجهة المسرح آليات تعلوها صور ورايات، ويمتطيهما مراهقون وشبان يكهربون الأجواء بالدبكة والصراخ، بمساعدة أبواق السيارات ومكبّرات الصوت الرديئة التي تبثّ أناشيد وخطابات. الجمهور الشاب المحتشد على الضفّة الأخرى عند مدخل المسرح، يتفرّج بمزيج من الفضول والذهول. بعد قليل، ستعلن نضال أيّوب التي أطلقت هذه المبادرة المستقلّة: «نفكّر في الناس العاديين، ضحايا القتل والتعذيب والخطف، في سوريا والعراق وليبيا واليمن...». وتمضي الصحافيّة الشابة مستبقةً النقد الجاهز: «مصادرنا (...) أناس نعرفهم واحداً واحداً، في علاقة فكر بفكر... ودم بدم».


روجيه عسّاف، شيخ المكان، وحده في الكافتيريا كأنّه يؤدي مشهداً لبيكيت: «لماذا لا يدخلون؟»، يسأل. رفيقة دربه حنان الحاج علي، توازي بمفردها القوى الأمنية والعسكريّة التي تحمي المسرح. على الخشبة، ستفاجئنا بمشهد مرتجل حول رديّة «باح باح يا عِرْق التفّاح»، فتدير إصبعها الوسطى لكل الشبيحة. نلاحظ حضوراً كثيفاً للإعلام الحريري: «الآخرون لم يأتوا» يردّ مسؤول في المسرح. ويتركنا نتفرّج على رسوم علي فرزات، في انتظار فتح قاعة المسرح.
في الداخل الهدوء سيّد الموقف. روجيه الذي تلقّى خلال النهار «نصائح وديّة» من مسؤول فرع البعث بإلغاء أمسية «لسوريا»، كان موجزاً: «نستقبل هنا الذين يعطوننا فرصة للتفكير، كي نحاسب ذاتنا ونحاسب الآخرين». كارولين حاتم قدّمت مشهداً راقصاً يجمع بين الحزن والتأمّل والغضب. لكن ذروة البرنامج كانت لوحة مشهديّة للأخوين محمد وأحمد ملص بعنوان «ممثلان في ظلّ الثورة». الثنائي السوري الشجاع يعيد الاعتبار الى شكل نسيناه، هو «مسرح التحريض». «الله وسوريّا والحريّة وبس» يرددان، فتشتعل الصالة بالتصفيق. وكان مسك الختام «الحياة اليوميّة في قرية سوريّة»، للراحلين عمر أميرالاي وسعد الله ونّوس. عندما خرجنا من «دوّار الشمس» كان كومبارس الثورة المضادة قد انهوا دبكتهم، وسبقونا إلى بيوتهم.