عمّان | خلال إقامتها الفنيّة في «مكان» (عمّان)، عرفت اللبنانية لين قديح كيف تشغل وقتها بثلاث فعاليات. فيما أدارت ورشة حول بناء عمل فني معاصر انطلاقاً من فكرة الكارثة، أشرفت قديح (1982) على عرض قدِّم أخيراً وتضمّن 5 أعمال فيديو لمخرجين شباب من لبنان وفلسطين. وما جمع هؤلاء ليس فقط أنّهم من جيل واحد، بل لأنهم يعملون أيضاً على نقض الخطاب الرسمي والذاكرة الجمعية، والانحياز إلى الفردية والعمل على مشهد ما بعد الكارثة، وفق ما تقول قديح لـ«الأخبار».

انطلاقاً من هذه الفكرة، عُرض فيديو «دائرة حول الشمس» (2005) للبناني علي شرّي. قال الأخير في تقديم الفيديو «شعرت بالإحباط عندما تم الإعلان عن انتهاء الحرب. كنت مبتهجاً لفكرة العيش في مدينة تأكل نفسها، حالها كحال السوائل الزائدة في المعدة التي تأكل تدريجاً المعدة، بينما تساعد على الهضم».
من جهتها، قدّمت سيرين فتّوح فيديو «عبور» (2007) حول صيف 2007 في لبنان. هنا، حاولت تقويض الطابع السياسي المشحون في ذلك الصيف لمصلحة الانطباعات الذاتيّة حول دولة استمرت صراعاتها لمدة 30 سنة. بينما بحث أحمد غصين في فيديو «وجوه تصفق وحيدة» (2008) في الفترة التي تفصل بين البقايا والأنقاض، عبر عنصري المواد المصوّرة من الثمانينيات، وتسجيل صوتي لرسائل متبادلة بين فردين من عائلته. كما عرض فيديو «موجة قصيرة/ موجة طويلة» (2009) للفنان البصري فارتان أفاكيان.
أما الفيديو الذي يمكن أن يكون معروفاً للبعض في الأردن على الأقل فهو «بدأنا بقياس المسافة» (2009) لبسمة الشريف. هنا أشخاص يقضون وقتهم بقياس المسافات بين المدن والبلاد. بعيداً عن الأثر السياسي المباشر، تشتغل الشريف على مستوى بصري ثري يخفق في نقل المأساة لترسيخ الشعور بخيبة الأمل. وأول من أمس، قدّمت قديح عرض الأداء/ الفيديو الخاص بها «160 قدماً تحت سطح البحر الأزرق الصافي» (2010). وهو أداء حيّ يترافق مع فيديو يسرد أحداثاً شخصيّة تجري على هامش الحرب الأهليّة. تحاول قديح هنا إعادة الاعتبار للذاكرة الفرديّة التي طمست لمصلحة الأحداث الكبرى. أحداث جرت في طفولة الفنانة شكّلت وعيها. هكذا نرى مشهداً لوالدتها في المنزل وهي ترتدي فستاناً مخملياً، أو حلمها بأنّ الوحش في «الجميلة والوحش» جالس على أرجوحة أعلى كنيسة إلى جوار منزلها. وفي الفارق بين الواقع والمتخيّل، يتحوّل كل هؤلاء الذين لا تستطيع قديح تذكّر ملامحهم، إلى وجه والدها الذي يتكلم في الفيديو.
ثمّة أصوات متعدّدة في الأداء، ووثائق مزيّفة عن اكتشاف حاوية تضم جثثاً متحلّلة إبان سقوط الطائرة الإثيوبيّة. ولا تزال فكرة قديح عن البحر أنه مكان «يبلع»، وأن والدها سيبتلع الوحوش التي تتعرض لها.