بغداد | برحيل النحّات محمد غني حكمت الاثنين، يكون العراق قد خسر واحداً من أبرز وجوهه الثقافيّة والفنيّة. الفنّان الرائد (1929) ترك لنا أكثر من عمل لا يزال شاخصاً في بغداد، منها: تمثال شهريار وشهرزاد، علي بابا والأربعين حرامي في ساحة كهرمانة، وحمورابي، ونصب السندباد البحريّ في مدخل فندق الرشيد، وأنصاب ومنحوتات أزيلت من أماكنها السابقة و«جدارية مدينة الطب»، و«تمثال أبو الطيب المتنبي»، إضافة إلى أعمال أخرى لا تحصى، منها 14 جدارية في إحدى كنائس بغداد تمثل درب الآلام.

أنجز حكمت خلال الثمانينيات إحدى بوابات منظّمة «اليونيسيف» في باريس، وثلاث بوابات خشبيّة لكنيسة «تيستا دي ليبرا» في روما، ليكون بذلك أوّل نحّات عربيّ مسلم ينحت أبواب كنائس في العالم، فضلاً عن إنجازه جداريّة الثورة العربيّة الكبرى في عمان، وأعمالاً مختلفة في البحرين تتضمن خمسة أبواب لمسجد قديم وتماثيل كبيرة ونوافير، كما ساعد حكمت على إنجاز نُصب الحرية، الذي كان من تصميم أستاذه النحّات العراقيّ الراحل جواد سليم، الذي وافته المنية قبل اكتمال هذا النُصب، الذي يلخّص مسيرة الشعب العراقي منذ زمن الاحتلال البريطاني إلى العهد الملكي ثم الجمهوري. اشتهر حكمت بتأثره بالفنّ السومري والآثار البابلية وبالحقبة العباسية في أعماله.
وكان الوسط الثقافيّ والفنيّ العراقيّ ينتظر تشييد أعماله الجديدة الأربعة التي وضعت أمانة بغداد قواعدها الخاصّة في ساحات بغداد، وهي: النصب الأوّل «بغداد» في ساحة الأندلس، والثاني «إنقاذ العراق» في منطقة المنصور، والثالث «الفانوس السحريّ» بجوار المسرح الوطنيّ. بينما الرابع «أشعار بغداد»، تضمن بيتاً شعرياً معروفاً للشاعر الراحل مصطفى جمال الدين هو «بغداد ما اشتبكت عليك الأعصرُ إلا ذوت ووريق عمرك أخضرُ». ومن المقرر أن يوضع النصب قرب مقهى «البيروتيّ»، لكنّ المرض لم يمهله طويلاً، وخصوصاً بعدما أصيب بجلطة دماغيّة وعجز في الكليتين قبل ثلاثة أيّام، ليرحل الاثنين في عمان بعيداً عن أهله.
كان أحد الكتّاب العراقيّين على حقّ حين كتب على صفحته الشخصيّة على فايسبوك: «في زيارتك السابقة استقبلناك روحاً وجسداً. هذه المرّة سنستقبلك جسداً بلا روح». ستحتضنه بغداد بعد ساعات مرّة واحدة وأخيرة من دون أن نسمع همسه الذي ظلّ يبثّ الأمل في نفوس من هم حوله.