الفنّان الستيني الذي غنّى للأرض والفلاح والعامل، وغنّى الجنوب وفلسطين ناسجاً علاقة جديدة بين الشعر الحديث والعامي من جهة، والموسيقى والغناء من جهة أخرى، يحنّ اليوم إلى بداياته. الحفلة التي يقدّمها الجمعة في «الملعب البلدي» في صيدا في الذكرى التاسعة والعشرين لانطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول)، تعكس موقفاً حازماً وقناعات راسخة، إن على مستوى الموسيقى والغناء، أو على الصعيد السياسي.


الأمسية التي تأخذ طابعاً احتفالياً، لا تمثّل تحدّياً لأحد كما يروّج بعضهم، بل تكتنف تحية إلى كلّ مقاوم في لبنان، وفلسطين، والعالم العربي والعالم. هذه المرّة، سيطلّ مرسيل خليفة متأبّطاً أحلامه التي أنعشتها الثورات العربية، حتّى لا تهرب كما فرّت وأُجهضت في نهاية الثمانينيات. «الحمولة الخطابية والإيديولوجية تثقل الفنّ، وأغنياتي تحمل موقفاً سياسياً بالمعنى النبيل للكلمة؛ بالمعنى الثقافي والفكري الذي يحثّ الفرد على الاستقلال عن السلطة وخطابها. بهذا المعنى، يمكن فهم جوهر الحفلة». يرى خليفة أنّ «الفنّ والإبداع يعوّضان عن عجزنا عن تغيير الواقع، ويتيحان مقاومة القبح والحقد والفساد. حفلتي في صيدا تمثّل إذاً صرخة ضدّ الواقع اللبناني؛ ضدّ الفوضى وانهيار الوطن في ظلّ استمرار نظامه الطائفي».
عندما أحيا خليفة ذكرى انطلاقة «جمول» في «ملعب الصفا» عام 1984، كان لليسار اللبناني دور بارز على أكثر من صعيد... فهل تشي حفلته الجنوبية بنهضة جديدة لليسار؟ ربّما. لكنّ المؤكّد أنّها تكثّف حضوره أقلّه على المستوى الشعبي، وتفتح كوّة في المشهد الموسيقي والثقافي اللبناني. برفقة الفنّانة أميمة الخليل، ونجليه رامي وبشار، وفرقة «الميادين»، التي تضمّ عازفين محترفين، أبرزهم إسماعيل رجب (كلارينيت)، وأنتوني ميليه (أكورديون)، وفراس شهرستان (قانون)، وإيلي خوري (بزق)، وبيتر هربرت (كونترباص)، وألكسندر بتروف (إيقاعات)، سيؤدّي مرسيل مجموعة من الأغنيات التي تجمع بين ألق البدايات وإضافات المرحلة الأخيرة: من «جواز السفر» و«أمّي» و«يا بحرية» مروراً بـ«تصبحون على وطن» وغنائية «أحمد العربي» و«انهض يا ثائر» و«يا نسيم الريح»... على البرنامج أيضاً مقطوعات موسيقية نادراً ما نسمعها في أداء حيّ مثل «فالس الحبّ»، و«تانغو لعيون جمول» التي تصلح عنواناً للحفلة.
معظم أغنيات خليفة لا تزال راهنة، لجهة خطابها، أو لناحية القيمة الموسيقية والشعرية التي خلّدتها: «الجسر» (شعر خليل حاوي)، و«نشيد الموتى» (كلمات محمّد الفيتوري)، و«ريتا» (محمود درويش)، و«يا علي» (عباس بيضون)... وقد مثّلت انعطافة نوعية في الأغنية اللبنانية والعربية. صاحب أوبريت «مرق الصيف» الذي اتُّهم في بداياته بـ«تخريب الموسيقى العربية»، اجترح مساحة حرّة للتأليف الآلاتي العربي («جدل»، و«كونشرتو الأندلس»...)، وأدرج المقامات الحاوية ثلاثة أرباع الصوت في قالب يرتكز على الهارموني والتوزيع الأوركسترالي الحديث.
يُعدّ مرسيل من أبرز عازفي العود في العالم، ونجد تأثيره في طرق العزف الحديثة بعدما أصبح أسلوبه فريداً ومكرّساً في هذا المجال، حتّى لو لم تتبنَّ بعض المعاهد الموسيقية المنهج الذي وضعه للعود. يسحبنا عزفه الذي تتشابك فيه المدرسة العراقية والتركية والشامية والحداثية، إلى عمق الموسيقى الشرقية المعاصرة. الحفلة التي قدّمها منذ فترة في «أسواق بيروت» أثارت جدلاً واسعاً. فاجأ الفنّان «المشاكس» جمهوره بميله إلى الموسيقى التجريبية وتَجاوُزه الإطار الذي بناه لنفسه منذ السبعينيات. زادت جرعة التجريب، وكادت تجربته تنفصل عن مزاج الشارع.
«لا أتوقّف عند الاعتراضات ونوبات الهستيريا التي تنتاب بعضهم عندما أتحرّر من الالتزام (الفنّي) النمطي» يقول ردّاً على ملاحظات بعض النقّاد. من المؤكّد أنّ خليفة سيراعي خصوصية حفلته في صيدا وذائقة الجمهور، محافظاً على جذرية عميقة، وسيشدو في جوّ لن يخلو من حماسة ممزوجة بنوستالجيا موجعة.

مرسيل خليفة في صيدا: التاسعة من ليلة اليوم 16 أيلول (سبتمبر) ــــ «الملعب البلدي»، صيدا (لبنان الجنوبي). للاستعلام: 03705192