الجزائر | لم تكد تمرّ الذكرى الأولى لوفاة الروائي الجزائري الطاهر وطار (1936 ــــ 2010)، حتى عادت إلى الواجهة رائعته «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» التي كتبها عام 1973 ونشرها للمرة الأولى في بغداد عام 1974، وحققت رواجاً استثنائياً حينذاك، وما تبعها من صدى كبير حظيت به. المسرحية المقتبسة عن القصة ذاتها أخرجها المسرحي الكبير الزياني شريف عياد، وأدى بطولتها الفنانان محمد بن قطاف والراحل عز الدين مجوبي الذي اغتالته الجماعة الإسلامية المتطرفة بالقرب من ساحة مسرح «محيي الدين بشطارزي» عام 1995، إلى جانب نخبة كبيرة من الفنانين الجزائريين أبرزهم الفنانة الاستثنائية صونيا التي تعكف حالياً على إعادة تقديم المسرحية برؤية فنية جديدة.


صونيا التي تعود إلى المسرحية كمخرجة هذه المرة، تحاول أن تتخلّص من الإضافات الجمالية التي انتهجها الزياني شريف عياد، حين اعتمد أسلوب «الحلقة» الذي استحدثه المسرحي الراحل عبد القادر علولة (اغتيل هو الآخر وسط وهران، في عام 1994، وحامت الشبهات حول العسكر هذه المرّة). وتعكف صونيا التي تعتبر مخرجة العمل المسرحي في حلته الثالثة بعد تجربتي المخرج السابقتين، على بروفات المسرحية المكوّنة من 15 ممثلاً شاباً ونخبة من الممثلين القدامى.

وإن كانت المسرحية التي أخرجت في الثمانينيات تفتقد العنصر النسوي، إذ اضطر يومها الممثلون الرجال إلى التلفّع بـ«الحايك» (الغطاء الذي تلفّه النساء حول أجسادهن للخروج إلى الشارع) حتى يؤدّوا الأدوار النسائية في المسرحية، إلا أنّ العنصر النسائي يحضر بقوة في النسخة الثالثة. تقول صونيا لـ«الأخبار»: «أنا أرى النص مكتملاً، ولا يحتاج إطلاقاً إلى العمل على إسقاط مضمونه على الواقع والأحداث الأخيرة التي تشهدها المنطقة العربية. قصة «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» تظهر كأنّ صاحبها الطاهر وطار تنبّأ بما يحدث حالياً من ثورات وانتفاضات شعبية. لقد انتقد في عمله أحادية الحكم والفكر، وديكتاتورية الأنظمة العربية واستبدادها، والمتاجرة بدم الشهداء ومبادئ الثورة. لذا، تعمّدت أن تكون المسرحية قريبة من النص الأصلي. أما الجماليات الأخرى، فسيكتشفها الجمهور العربي أثناء عرضها في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل ضمن «المهرجان الدولي للمسرح المحترف» في الجزائر». وعن ردّ فعل الجمهور الذي حضر المسرحية أو شاهدها مراراً على التلفزيون والنجاحات التي حققتها أهمها الجائزة الأولى ضمن «أيام قرطاج المسرحية» في تونس عام 1987، لم تخف صونيا تخوّفها، خصوصاً أنّها عمل متكامل وقوي. لكنّها تتابع: «العمل الفني خطوة لإعادة تقديم ريبرتوار المسرح الجزائري الذي يحق للأجيال الجديدة مشاهدته، خصوصاً أنّ المسرحية من أهم الأعمال التي أُلّفت منذ الاستقلال حتى اليوم، على غرار مسرحية «الأجواد» للراحل عبد القادر علولة، ومسرحية «حسن طيرو» للعبقري الراحل رويشد». وتختم صونيا بأنّ عملها تكريم للأديب الطاهر وطار وللفنان الراحل عز الدين مجوبي، ولشهداء الثورة الجزائرية. وأثناء التدريبات، حاول الفنانون الشباب تأدية الأدوار بتألّق. بدا واضحاً تفاعلهم مع النص، واندماجهم مع الشخصيات، مثل الشيخ العابد الذي يجسّده الممثل رضا أخريست، ودور خديجة الذي تجسّده الممثلة فايزة أمال، إضافة إلى الممثل المبتدئ عبد الرؤوف بوفناز الذي يؤدي شخصية المانع التي سبق أن قدمها الفنان عز الدين مجوبي. تبدو المسرحية محمّلة بالكثير من المعاني المباشرة والقوية. تتحدث عن استغلال الشرعية الثورية وتفشّي ظاهرة المتاجرة بالشهداء، وامتلاء الساحة السياسية بالانتهازيين بعد استقلال الجزائر، وظهور المجاهدين المزيّفين، وتهميش الكثير من الأسماء الثورية على حساب أخرى خدمةً للمصلحة الشخصية. لذلك يأتي موضوع «عودة الشهداء» كمساءلة للضمير عن حفظ أمانتهم وتحقيق حلمهم بعد تحقيق استقلال الجزائر. يتجلّى ذلك في الجملة التي يقولها الشيخ خليفة، أحد أبطال المسرحية: «يا عمي العابد، بالنسبة للقانون الشيء واضح. الميت الذي يحيا يجيب لنا ورقة. والورقة تمدها له البلدية، الناس كلها جاهدت لكن الذي لا يملك وثيقة، راحت عليه». ويضيف في عبارة قوية: إنهم مليون ونصف مليون شهيد، ليسوا عشرة أو عشرين، وزد على ذلك الذين يدخلون وسطهم من الناس الغشاشين».
وعن السينوغرافيا التي صمّمها بوخاري هابل، يتحدّث هذا الأخير لـ«الأخبار»: «لقد قسّمنا العمل إلى ثلاثة مشاهد، مع تنفيذ ديكور جديد يختلف عن التجربتين السابقتين، واهتمام كبير بعامل الإضاءة. أما الألوان المعتمدة فهي الأبيض والأسود اللذان يرمزان إلى حقبة الخمسينيات». ويراهن الممثلون الشباب وصونيا على تقديم لمسة إبداعية جديدة لمسرحية ليس سهلاً إعادة تقديمها أمام نجاحها الباهر خلال الثمانينيات، وخصوصاً أنّ تقديمها يتزامن مع ما تشهده البلدان العربية من ثورات وبداية تخوّف شعوبها من اختراقها أو استغلال نتائجها من قبل جهات أخرى. لذا، تأتي رواية «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» كجزء من تاريخ يعيد نفسه، على قاعدة ما أشبه اليوم بالبارحة. فهل يشرّع أمامنا هذه المرّة أفق التغيير؟