«ولد فارس الموّاز بغير رأس، فبكت أمه، وشهق الطبيب مذعوراً، والتصق أبوه بالحائط خجلاً، وتشتّتت الممرضات في أروقة المستشفى. ولم يمت فارس كما توقّع الأطباء، وعاش حياة طويلة، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلّم ولا يتذمّر». بهذه الكثافة يختزل زكريا تامر (1931) مصير إحدى شخصياته القصصية من مجموعته «الحصرم». هكذا يحيلنا قسرياً إلى فضاء كابوسي لطالما خبرناه في أعمال أخرى لصاحب «ربيع في الرماد».


وتتكرر الوصفة ذاتها في «النمور في اليوم العاشر»، إذ يصف أحوال الكائن المقموع، وعمليات الترويض الشرسة التي تطاله بهدف تحويله إلى مسخ هلامي محتضر، يعيش أقسى أنواع الذل والمهانة والرضوخ.
تلك التجربة الأدبية الفذّة والرائدة في فنّ القص العربي، تناولها عدد لا يحصى من الدارسين والنقاد. وها هو صاحبها يعود الى دائرة الضوء مع صدور كتاب «زكريا تامر: مسامير في خشب التوابيت» (منشورات اتحاد الكتّاب العرب ـــــ دمشق، تحرير وإشراف إبراهيم الجرادي) الذي يجمع قراءات كوكبة من النقاد العرب لتجربة القاص السوري الاستثنائي، من موقع الفحص لنص مارق ومتفرّد. وإذا بنا أمام وليمة من السخط والتحريض والتمرّد، سواء لجهة السرد المتفرّد والمبتكر، أو لجهة الشحنة التعبيرية في التقاط الثمار المحرّمة بفأس حطّاب شرس.
لعل عبارة «حدّاد في وطن من الفخّار» التي قالها الشاعر الراحل محمد الماغوط في توصيف كتابة زكريا تامر هي أفضل ما قيل في هذه المغامرة السردية التي كلما نأت بعيداً، أثبتت حضورها الخلّاق، كأن القصة العربية توقفت عند سندان هذا الحدّاد الذي أتى الكتابة «يخبط على جمر اللغة، فتخرج عرائس النار إلى زفافها الهرطوقي».
هذه الجسارة اللغوية، أنبتت بلاغة خاصة في وقت كانت فيه «اللغة تزدحم بالمكابرة اليائسة والأسئلة والطنين» وفقاً لما يقوله الجرادي. كان على صاحب «تكسير ركب» أن يحطّم أصنام اللغة بعنف تدميري، هو مزيج من الشاعرية والرفض. يبرر زكريا تامر هذا العنف بقوله «العنف في قصصي ليس بضاعة مستوردة، أو نزوة، أو عقدة نفسية. إنه فقط تعبير عن حياتنا اليومية. نحن الذين نعيش في عالم مفترس سفّاح، لا يمنحنا سوى السجون والخيبة والرماد ويجلّلنا بالهزائم».
لن نستهجن إذاً أن تنتهي مصائر شخصياته القلقة إلى نفق مظلم، وكابوس طويل، ينطوي على قسوة وخشونة ورغبات محتدمة. يُحاكم طارق بن زياد بعد أن يحرق سفنه بتهمة «تبديد أموال الدولة»، ويوقظ تمثال نحاسي ليوسف العظمة الناس من سبات طويل في نبرة تحريضية صريحة، ويصرخ «يوسف البدوي» بطل قصة «دمشق الحرائق» بكامل يأسه «أعطنا خبزاً ولحم نساء أيها الرب الفولاذي».
يلفت الناقد المصري الراحل صبري حافظ في دراسته «مسافر في عالم مضطرب» إلى الطاقة الشعرية الكثيفة في قصص زكريا تامر التي اتسعت رقعتها بعناد لتترك بصمتها لاحقاً على تجارب جيل الستينيات في العالم العربي عموماً، فهو «شاعر الرعب والجمال» رغم قتامة عالمه الفانتازي المثقل بالشهوات والدمار، وبالحس المأسوي، والبعد الأسطوري للحدث نفسه. أما الناقد المصري الراحل فاروق عبد القادر، فيختصر أضلاع المثلث المتواتر بثلاثة أقانيم أساسية هي «الخبز والجنس والحرية». لكن هذه الرغبات العصية لن تتحقق، إلا بدمار العالم، وإقامة عالم آخر على أنقاضه. ويربط الناقد السوري صبحي حديدي بين كابوسية زكريا تامر وكابوسية كافكا القائمة على «أحاسيس الموت والتيه والفراغ والعبث والاستلاب». كما يشير مواطنه رياض عصمت إلى أن قصص زكريا تامر، تنهض على تحويل الحلم إلى كابوس في نص ذهني ينحو إلى التجريد فوق رقعة شطرنج ثابتة، تجمع الطاغية والجلاد والانتهازي والمواطن المقهور في فضاء نموذجي واحد.
اللافت في قصص زكريا تامر أنها لم تتوقف يوماً عن الاحتجاج والسخط والهجاء المرّ لكل ما يعوق كرامة البشر، فهم على الدوام «مذلون مهانون»، غير عابئ بآراء النقاد واتهاماتهم له بالسلبية والتدميرية. هو لم يكن مبشّراً يوماً، على غرار «تمارين الستالينية العربية الضريرة، وهي تمارس محازبتها العمياء» وفق ما يقول إبراهيم الجرادي. هكذا حوّل «تشيخوف العرب» المدينة إلى أقفاص مغلقة بإحكام على بشر مدجّنين وخانعين لأقدارهم البائسة تحت سطوة طغاة صادروا حريتهم في وضح النهار. لعل أبطال زكريا تامر، استيقظوا الآن، واستعادوا رؤوسهم المقطوعة، بعد سبات طويل، فهو ما انفك طوال نصف قرن يحرّضهم على الخروج من توابيتهم ونفض الغبار عن أكفانهم المجللة بالعار والاستسلام.
أما هو فلم يحد يوماً عن سكة قطاره، فالكاتب كما يقول «مثل ملاكم ينبغي أن يجيد فن تبديد الطاقة بلكمة صائبة، وألا يشعر بأنه قد توصّل إلى الكمال. ففي ذلك يسير بخطى حثيثة إلى متحف زاخر بالجثث المحنّطة».




واقعيّة خشنة

في كتاب «زكريا تامر: مسامير في خشب التوابيت»، يرى أحمد زين الدين أنّ قصص زكريا تامر مكتوبة «على وقع الهزائم» من خلال تظهير الحياة اليومية، ومشهديات العنف والاغتصاب والجوع، في مفارقات ساخرة تطيح المقدّسات الموروثة، وتعرّي عوامل القهر والظلم، فيندفع أبطاله إلى تفكيك «المحمول السلطوي والتحريمي» بإشباع خيالي تعويضي لكل الفجائع التي تواجه رغباتهم المقموعة. من جهته، يلحظ خالد زيادة ريادة صاحب «صهيل الجواد الأبيض» في ابتعاده عن الخطابات الإيديولوجية التي أغرقت آنذاك كل كتابة، وذهابه إلى واقعية خشنة لا تخلو من شاعرية وعذوبة.