بعد توقف دام ثلاث سنوات، تعاود مجلة «نقد» الصدور بعدد مخصص لتجربة الشاعر الأردني أمجد ناصر. تعدنا الافتتاحية بـ «انطلاقة ثانية» مصحوبة بـ «رؤية أكثر نضجاً» و«تأسيس حركة نقدية مستقبلية». نأخذ هذه الوعود بجدية، لكن المساهمات المنشورة في العدد الجديد تطالعنا بمقاربات تناقض هذه الوعود، وتكتفي بشهادات شخصية أو مقالات قصيرة وعجولة. هناك بعض الإشارات المعقولة إلى شعرية صاحب «مديح لمقهى آخر»، إلا أنها لا تجعل العدد مرجعاً شاملاً يضع التجربة في سياقها الزمني والشعري.


البداية من افتتاحية رئيس التحرير (ماهر شرف الدين)، الذي يقسِّم باكورة الشاعر بين «معجم المقاومة» و«معجم البداوة»، ويمتدح تخليه عن المعجم الأول في ديوانه الثاني «منذ جلعاد كان يصعد الجبل»، قبل أن يلغي «تجريبية» الشاعر بالحديث عن عثوره على طريقه في الديوان الثالث، وتبلور صوته الخاص في الرابع. خلاصات متسرعة وآمنة كهذه لا يجد لها القارئ صدىً لدى صاحب «رعاة العزلة»، الذي لطالما وُصِفت ممارسته بالقفزات المتواصلة، إلى حد أن عباس بيضون وصفه بـ «سندباد بري» في مقدمته المميزة لأعماله الكاملة.
بخفة أقل، يُعامل عبد القادر الجنابي إصدار ناصر الأخير «فرصة ثانية» (وهو كتاب سردي يقدم مذاقات مختلفة لفن السيرة) بوصفه قصيدة نثر تنتمي إلى «النثرية المفتوحة»، مستشهداً على ذلك بعبارات تثبت شعرية النص مثل: «العزلة ليست وصفة جاهزة للاستشفاء» و«الصقيع لا يتأخر في نوبته الليلية»! في المقابل، يكتب محمد علي شمس وعبد الله كرمون انطباعات نقدية سريعة عن ديواني «سُرَّ من رآك» و«مرتقى الأنفاس»، بينما نجد محاولات عادية لربط التجربة بفضاء شعري ونقدي في مساهمتي صلاح بو سريف ومحمد السيد إسماعيل. الانطباعات ذاتها ـــــ وإن ببعض الذكاء والحميمية ـــــ موجودة في شهادات فاروق يوسف ولينا الطيبي وأكرم القطريب. الأخير لا يتورّع عن مماثلة شعر أمجد ناصر بشعر الفرزدق الذي قيل إنه «لولا شعر الفرزدق لذَهَبَ ثلث العربية»، بينما نقرأ في مساهمة محمود قرني كلاماً عن «بكارة الكشف ومهارة السبك والجزالة»، في «نموذج يُعيد اكتشاف طاقاته الجمالية والمعرفية داخل شروط ثقافته بتجليها الاجتماعي والسياسي، مع إدراك شديد الوعي للتقاطعات الحضارية التي تمثِّلُ القيم الجمالية أهم تجلٍّ لها»! وهو ما نجده بفجاجة أكبر في مساهمة مصطفى عطية المعنونة بـ «سيميوطيقا التشيؤ والدراما في توهّج الذات بالحياة والتاريخ».
باختصار، العدد كله لا يضاهي مقدمة عباس بيضون، أو تقديم صبحي حديدي لمختارات الشاعر التي صدرت بعنوان «وحيداً كذئب الفرزدق»، لكن مهلاً، لماذا يغيب الاثنان عن العدد؟