هل يصفر الرجل في السبعين؟ تماماً، كما كان يفعل في العشرين. نستمع الى موسيقى، من دون أن نرى وجهه، ثم يستدير، ضاماً شفتين ممتلئتين ونابضتين، على صفير، تلمع على ايقاعه عينان سوداوان ستقولان، خلال العقود الأربعة التي ستلي.. الكثير.

عينان متصوفتان، في عشقها للطبقة الوسطى والعروبة والفكرة. علينا أن نفكر، لكي نفهم، ونقاوم، ونفرح، ونحلق.. ونصفر.

أرى الكثير في عينيّ ذلك الفتى في أول لقطة خزنت له في ذاكرتي، من فيلم يحمل الكثير من متعة السينما ومتعة التفرج على مرايا النفس وتعقيداتها، والغوص في عوالم الجسد ورغباته. "زوجتي والكلب"، فيلم سعيد مرزوق المصنوع قبل ميلادي بتسع سنوات الذي قدم نور الشريف الى وجداني، في مراحل مبكرة من تكوّن هذا الوجدان، أو البحث عن شكل له وبوصلة عاطفية.
ستظل تلك الصورة عالقة في بالي الى الأبد. الصورة مقترنة بالصوت: الفتى الذي يصفر، ثم يلوذ بجسد امرأة، منحوتة من الشهوة الكاملة، والرغبة الأسمى، أو ما يعرف باسم: سعاد حسني.
ستصفر، تنادي على كلب، ثم تحصل على الغنيمة.. القصوى!
على مدى الربع قرن التي ستلي مشاهدتي الأولى لذلك الفيلم، سيظل رنين لذلك الصفير يطن في أذنيّ، فيما اتابع مغامرات رجل، اخترت أن يكون من ضمن أبطالي على الشاشة، وربما في مقدمتهم. لكنني، لم أفهم ذلك، بالطبع، من البدايات، إذ كان عليّ أن أكتشف مصر برمتها، قبل ان أتضامن مع الخيارات السينمائية لبطلي، وحتى قبل أن أثمن مهارته أو موهبته نفسها. كان عليّ، قبل ذلك كله، أن أكتشف نجيب محفوظ وجمال عبد الناصر وأنور السادات وصلاح جاهين لكي افهم معنى "الكرنك"، ومعنى تلك النظرة المهزومة في عينيّ البطل في نهاية الفيلم، ناهيك عن توهان النظرة وهو معلق بقيد يمتد من سقف المعتقل، وآثار السياط على جسده العاري. بعد قليل، سيتم اغتصاب حبيبته قبالة عينيه، ستنتهك عصبة، تنتمي الى نظام سياسي "رسالته" و"عقيدته" و"أمجاده" مستمدة من الدفاع عن مصالح الطبقة الوسطى، عن عمال وفلاحين. تنتهك جسد هذه الطبقة وعقلها وروحها وأحلامها، بوقاحة وشراسة صادمة.
لكن الرجل لن يقفد إيمانه بصدق العقيدة، وسيظل يدافع عنها، واعياً في الوقت ذاته لعمق أخطائها وخطاياها: «سأظل طوال عمري منتمياً بوجداني وأفكاري وآمالي الى الطبقة الوسطى في المجتمع، ولمن يناصرها ويدافع عنها"، يقول لي، فيما أستعرض في بالي أمرين: كل أفلامه مع عاطف الطيب، وشجاعة هذا الرجل وترفعه، اذ كنت قد علمت للتو أنّه اعتذر عن عدم حضور حفل خاص يقيمه «الأمير» لضيوف مهرجان «مراكش». لعله قد وعد نفسه الليلة بانهاء قراءة كتاب «الرجل ذو البدلة البيضاء».
تلك الشخصية لن يستبدلها، وذلك العناد لن يتخلى عنه، والى جانب حب السينما، المحفز الرئيسي للهمة في شخصيته والحماسة التي نادرا ما تذبل، هناك شغفان آخران: المسرح وفلسطين.
لا يعلم كثر، أو ربما يعلمون، لكن لا يلفتهم ذلك العشق الذي يكنه للمسرح أحد أكثر ممثلي مصر نشاطاً في السينما. خلال لقاء مراكش، أخبرني كثيراً عن هذا الأمر. عن شكسبير وسحر الخشبة والنص المسرحي. وكنت أعرف، أنّ كما لهذا المعلم عشاقاً وتلامذة ومريدين في السينما، فله أيضاً من يوازيهم هناك خلف الستائر المخملية، وعلى المنصات التي يستجمع عليها المرء قواه لكي يقول كل شيء بصوته، فيحيا ويموت بعضلات الصوت، وبالتنقل بين طبقاته، بين الصرخة والهمس، بين الأغنية والصفير.
هل يصفر نور الشريف الآن؟
أسأله: «وماذا ستفعل بهذه اللقطات التي تصورها بهذه الكاميرا. أنا لا اعتقد بأي حال أنها كاميرا متطورة؟».
هل يحمل الأساتذة كاميرات متأخرة؟ لا يعلق على التقنية، إنه يحب كاميراه، يقول انه اعتاد أن يحملها معه خلال السنوات الماضية، ويصوّر رحلاته. الأمكنة التي ينفث فيها دخان سجائره كغمامة حول الطاولة التي يفترش عليها أقداح الشاي، مبكراً، من دون أن يتمكن الدخان من حجب تلك الهالة التي تتكون حوله، وليس بالامكان تحديد ما اذا كانت انعكاس شمس دافئة دحرجها ثلج بعيد يغطي قمم جبال الأطلس التي كان بالامكان تبينها من حديقة الفندق، أم هي هالة الرجل.. وذاته.
هل تنكشف «الأورا».. بهذه السهولة؟ تنساب الطاقة، تتصل، تجري، ترتد. أستطيع أن أشعر بقطرات أو أكثر من ذلك الفيض. لهذا الرجل، فعلاً، والذي حين يضحك تشع عيناه وتضحكان كما يفعل طفل في «حي السيدة زينب» حصل لتوه على قطعة حلوى من دون أن يدفع ثمنها، أو كما تضحك عينا مراهق ضاجع للتو جسد سعاد حسني. لهذا الرجل، ضاحك العينين، طاقة ساحرة لا تنبع في العادة إلا من أرواح نقية، وأفكار نبيلة. ثمة كلمة سر تختصر ذلك كله: الصدق.
قد لا أكون ممن ينبهرون طوال الوقت بكل ظهور سينمائي لنور الشريف على الشاشة. ثمة في أفلام عظيمة، أو عدت كذلك، قام ببطولتها، مشاهد تربكني، اذ أشعر انني أضعت الممثل، لكنني، وللغرابة، ودوماً مع نور الشريف فقط، لا يمكنني إلا أن أذعن لتصديقه. قد يلتبس عليّ الأمر، ويبدو ملغزاً: أنا لا أصدق الممثل، لكنني اصدق الانسان، الذي يلعبه هذا الممثل. ولكن، أليس، في المقلب الآخر، هذا يعد، درساً من دروس الحرفية والأداء المتمكن؟ ونور الشريف، متقمصاً دور ناجي العالي، ومرتبكاً في لكنته الفلسطينية، لا يمكن الا أن يكون أفضل الحرفيين الذين صادفتهم في مهنة التمثيل. ستبكي معه وتخاف على العروبة وتتضامن مع رغبته في أن يفضح الخونة «واحد واحد على الحيطان»، وينقبض قلبك حين تسأله المرأة: الى أين تذهب، فيرد: الى صيدا. فتصيح المرأة فيما تلحقه: أنت مجنون!
إذا، هنا صيدا. مدينتك، بيتك، طفولتك، رائحة رطوبة الملاجئ وفزع الأمهات وذلك الكبريت النافر من احتراق بارود «اللاندات» العسكرية، يلتصق بأنفاسك، حين يفتحون باب الملجأ، فتختنق ولا تعود آبها لأذان الفجر المكتوم. صيدا هناك، في الفيلم، ذاكرتك وحيك وحربك، يحكي عنها وجه فلسطين ناجي العلي، بلسان بطلك الذي يصفّر.
هل ستقوى على أن تبوح بكل ذلك له، الآن؟ هل تنادي طفلك؟ اليست فرصتك، بعدما فتح قلبه لك، ورد على كل أسئلتك، وداعب «خبثك» الصحافي بأناقة. أجابك بوداعة عن كل أسئلتك، المنسابة والمفخخة. أخبرك عن الموت وعما سيودع في وصيته (كانت وقاحة وتجرؤ أن تفاتحه في هذا الأمر، وكانت مفاجأة أن يجب. ماذا تريد بعد؟). ألا تخبره، بالمقابل، عن الخوف ورائحة الملجأ وتعلق الصبي بالبطل، وبحلم أنه حين سيكبر، سوف يفضح الأعداء، وربما يجرهم لمحاكمات، أو يشهر في وجوههم بمسدس كما في «كتيبة الإعدام»، بعد أن ينقذ طفلاً مريضاً كما في «ليلة ساخنة» أو يفعل المستحيل لرأب صدع وطن- عائلة تنهار كما في «دماء على الاسفلت»!
سيأتي وقت لذلك، لكنك الآن مهتم بشيء واحد: ما مصير تلك اللقطات التي صورها بطلك، بأناة وفرح، لحياته التي بدت مزدهرة وطليقة، فيما يقترب عمرها من السبعين. ما الذي يكون مهتماً بتصويره ممثل، نجم سينما، صوّرته آلاف العدسات في آلاف اللقطات، حين يكون وحده مستمتعاً بعصافير صغيرة تلهو عند أقدامه وتنتظر كسرات الخبز، في صباح يوم من مرحلة زمنية انتزع فيها «عزوبية» متأخرة بعد زواج طويل. ذلك الزواج- الرباط الذي أريد له، على الاقل اعلامياً، طيلة ثلاثين عاماً، أن يكون مثالياً وفاتناً على الدوام، كأنه زواج مستعاد من أمجاد السينما الماضية: ليلى ووحيد. ليلى مراد وأنور وجدي.
لكنه طليق في هذا الصباح وسعيد بصحبة كتاب وعصافير وكاميرا وعلبة سجائر، وقد يتذكر حبه لابنتيه وحب الناس له، على مر أجيال، ويمرّن بأفكاره وتصريحاته ارادته التي لا تفتر وهمته التي لا تذوي، كما هي صورته السينمائية في غالب أفلامه. كتفاه يهرولان قبل قدميه، فهو دائماً مقبل على فعل شيء وتفقد شيء والبحث عن شيء. كان يكفيه أن يكون حاوياً لذلك كله، كي يشعر بالرضى.. وقد يصفر!
وأنت؟ ما الذي يشعرك بالرضى فيما يتساقط أبطالك حولك، واحدا تلو الآخر، ويتحولون الى مراث وصور مستعادة على الفيسبوك، حين تتسرب الفجيعة الى هاتفك بسرعة وبديهية وبرودة «الواتس آب»، هكذا: «مات نور الشريف» تأتي الرسالة من صديقة مع صورة أيقونة وجه أصفر باك.
ثمة من هذه الأيقونة المسماة «ايموجونوري» الكثير من الأشكال، التي تتسرب ببديهية الى أرواحنا كل صباح، حالما نفتح أعيننا ونتفقد شاشة الهاتف الغاف قرب وسادتنا: وجه يضحك، وجه يخرج لسانه، وجه يتجهم، وجه يغضب ووجه يمد لسانه، وآخر يصفر.
سأتحيز للذي يصفّر.. هذا المساء وأشتهي، رغم أنفاس الكبريت، مرة جديدة، جسد سعاد حسني!