خرج سعيد من السجن فوجد «البلاد» وقد صارت أضيق من ثقب إبرة، فقرّر تركها، لكن لا ينبغي أن تسير الأمور هكذا. فـ«الإهانة لا تُنسى». تبقى في قعر سحيق من الذات. سبع سنوات من الموت اليومي البطيء في السجن، والتهمة: الاشتغال في السياسة. لهذا لا بدّ من جردة حساب.

هذا ما نجده على صفحات «رقص» (دار طوى)، العمل الروائي الأول للناقد السعودي، مُعجب الزهراني، لكنّ سعيد بطل الرواية، لن يظهر إلا لاحقاً. ينطلق العمل مع الراوي الذي يضع «المملكة السعودية» في حقيبة سفره، متوجهاً إلى فرنسا، حيث تابع دراسته. وهناك، على مقهى باريسي، يُجلس «البلاد» على طاولة. ينفرد بها ليجري معها تصفية حساب، ينضم إليهما سعيد، لتتسع الجراح حتى منتهاها. كأنّها بذلك ستجد لنفسها شفاءً قد يبدو ممكناً، ولو من خلال البوح بأمر بلاد يتفرغ ولاة أمرها لمعاقبة مواطنيها بحلق شعرهم بدعوى «تهمة شنيعة» من نوع «إطلاق النظرات على النساء في السوق العام وقت صلاة المغرب». في الأرض البعيدة، يبدو الاعتراف سهلاً وممكناً ومتخففاً من الأثقال.
والرقص كذلك هو فسحة للبوح. يرقص «زوربا السعودي»، كي يتحرر من داخله ويمتلك شجاعة تجعله لا يأبه لأحد. «أنا أرقص، إذاً أنا حي». ولهذا السبب ربما، يحضر الرقص على طول الرواية، تُستعاد وقائعه ورواياته. نقرأ: «سمعت خبر رقصة، لعبت برأسي وقلبي ولساني طوال ربع قرن، وقد جاء وقت تدوينها وإن لم أفرغ منها هذا العام فمتى!» وأيضاً: «حين ترقص المرأة تطرب الأرض، وتشتعل فيها شهوات الحياة، وليتني رأيت أمي وهي ترقص».
هروب السارد الأول إلى باريس، مثّل الدافع إذاً لمعرفة ما جرى لسعيد الذي يتولّى دفة السرد. نعرف أنّه طلّق العمل السياسي بعد سنوات السجن، ليدخل عالم المال والأعمال. المناضل السابق الذي تخيّل نفسه غيفارا، يصل في النهاية إلى الخلاصة التالية: «نحن في مجتمع قبلي، ولا أتمنّى أن نصبح جمهورية يستبد بها عسكري بعد آخر، باسم حزب لا يحل ولا يربط».
من حكاية رئيسية كبرى إلى حكايات أصغر، تذهب الرواية في دوائر منفصلة حيناً ومتصلة حيناً آخر، كأنّها تتدافع من أجل خروجها، وتخليص صاحبيها من الأثقال المتراكمة. والحال هذه، يأتي طريق الذكريات شائكاً ومؤلماً، لتستمر باكورة الناقد والشاعر معجب الزهراني الأولى خاليةً إلى حدّ كبير من عثرات «العمل الأول». إلا أنّها تغرق في التنظير السياسي المباشر، المدفوع برغبة جامحة في تشريح الأوضاع السياسية في المملكة السعودية.
وهذا ما قد يؤدّي إلى توليد انطباع بأنّ العمل في أجزاء منه، قد جاء صورة طبق الأصل من الواقع السعودي، مخالفاً بذلك كون جمالية الرواية، إنّما تتمثل في تجاوزها للواقع. «ليتني كنت أعي جيداً نصف ما أقوله لك الآن. الوعي السياسي قشرة هشة تتخفى وراءها أنواع التخلف الفكري والسياسي والاجتماعي الذي علينا أن نحاربه خلال قرن كامل على الأقل»، يكتب معجب الزهراني. وقد يتضاعف الحمل هنا على صاحب «رقص»، في حال معرفة تقاطع حياته وتجربته الشخصية، مع معظم الأماكن التي وردت في الرواية، وخصوصاً أنّه أكمل دراسته في فرنسا. فهل في روايته شيءٌ من السيرة الذاتية؟