دمشق | أخيراً أبصر قانون الإعلام السوري الجديد النور. وقد تؤدي هذه الخطوة إلى إنقاذ وسائل الإعلام المحلية من مزاجية أجهزة الرقابة واستناسبيتها التي تؤدي غالباً إلى اعتقال صحافيين أو تهديدهم. ويمكن القول إن المشهد الإعلامي السوري يبدو اليوم أكثر تفاؤلاً، أقلّه في انتظار اتضاح آلية تطبيق هذا القانون والتزام الجهات المعنية به.


وكانت لجنة خاصة قد تألّفت بهدف صياغة هذا القانون، ثمّ سلّمته إلى لجنة حكومية عدلت بعض بنوده قبل أن يصدر الرئيس المرسوم التشريعي رقم 108، ويصبح القانون نافذاً منذ تاريخ صدوره. وينتظر أن يبدأ التطبيق الفعلي بعد تعيين أعضاء «المجلس الوطني الأعلى للإعلام». ومهمة هذا الأخير هي الإشراف على سير العمل الإعلامي ومنح التراخيص الجديدة.
ويشرح ثابت سالم، وهو أحد أعضاء لجنة إعداد القانون، التغييرات التي طرأت على النصّ الأوّلي بعد عرضه على اللجنة الحكومية. ويوضح أن أولى الإضافات التي أدرجت تتعلقّ ببند العقوبات «في المسودة الرئيسية لم تكن عبارة «التعرّض للأمن القومي» موجودة، إلا أن اللجنة الحكومية أضافتها، علماً أننا أدرجنا كل المخالفات والعقوبات الموجودة في أشهر قوانين العالم». أما التعديل الثاني فطاول البند المتعلق بـ«المجلس الوطني الأعلى للإعلام». وكان النص الأول قد اقترح انتخاب كل أعضاء هذا المجلس باستثناء ثلاثة أسماء يعيّنها رئيس الجمهورية مباشرة. أما الصيغة النهائية فنصّت على تعيين الرئيس لكل الأعضاء وعددهم 11. كذلك طاول التغيير البند الذي يتطرّق إلى توزيع التراخيص على المؤسسات الإعلامية. ويقول سالم: «كان يحق لـ«المجلس الوطني الأعلى للإعلام» منح التراخيص بشكل مستقل. أما الآن فقد أضافت السلطات السورية عبارةً تفرض عرض جميع التراخيص التي يوافق عليها هذا المجلس على رئاسة الحكومة». أما البند المتعلّق بالعقوبات فخضع للتعديل أيضاً، إذ أحيل بعض البنود إلى قانون العقوبات العام. وحول هذا الموضوع، يشرح سالم: «جميع المواد التفصيلية المتعلقة ببنود العقوبات والمخالفات كانت مستقلة تماماً، وإذا لم تدرج مادة لمخالفة معينة، اقترحنا الاستعانة بقانون العقوبات العامة، والمقصود هنا أن يكون الإعلامي قد ارتكب مخالفة وهو خارج عمله». لكن ما هي الغاية من كل هذه التعديلات والإضافات إلى المسودة النهائية؟ يجيب سالم ببساطة: «من الواضح أنّ السلطات السورية تريد ربط الإعلام ووسائله المختلفة بِبُنيَتها وهيكلتها التنظيمية. وإلا فكيف نفسِّر إذاً نسف استقلالية «المجلس الوطني الأعلى للإعلام» التي أكدنا عليها في المادة الأولى من القانون، وجعله تابعاً لمجلس الوزراء؟».
لكن صدور القانون الجديد لا يعني بالضرورة أن الحياة الإعلامية السورية تحسّنت. الصدمة الكبرى التي رافقت بداية تطبيق هذا القانون مطلع الشهر الماضي كانت إصدار تعميم من رئاسة مجلس الوزراء يحذّر «جميع المديرين العامين والوزراء من إعطاء تصاريح صحافية». وأدّت هذه العبارة وحدها إلى إجهاض القانون الجديد الذي يمنح الصحافي حق رفع دعوى قضائية على أي مسؤول يحجب عنه المعلومات. إذاً المخالفة الأولى للقانون جاءت من جهة حكومية. ومع ذلك، يرى ثابت سالم أنه «لا يمكن مقارنة القانون الجديد بسلفه السابق... لكن الصيغة النهائية تبدو مختلفة عن المسودة الأساسية. باختصار، أنا أشعر الآن بالخذلان وعدم جدوى قانون الإعلام الجديد بعد تعديل السلطات الرسمية عليه».
لكن الرأي يختلف عند مصطفى المقداد مدير تحرير جريدة «الثورة» الرسمية، ونائب رئيس «اتحاد الصحافيين السوريين» الذي يرى أن قانون الإعلام الجديد من أكثر القوانين أهمية «لارتباطه بشكل يومي بالمواطنين السوريين، وتأثيره على كل تفاصيل حياتهم اليومية». ويشير إلى أنّ القانون لم يتطرق في أي من بنوده إلى مصير وزارة الإعلام السورية «سيتم العمل على تحويل اتحاد الصحافيين إلى نقابة في الفترة القريبة، وسيُعمل على أن يكون هناك أكثر من نقابة لكل مجال من مجالات العمل الإعلامي». وعن مجمل التعديلات والإضافات التي أدخلت على النص، يقول: «الصيغة النهائية لقانون الإعلام هي مثال يحتذى في العالم، وإن جاء هذا القانون أدنى من توقعات اللجنة التي أعدته، بعدما عدلت لجنة حكومية بعض بنوده».
من جهة ثانية، يبدي الإعلامي السوري عبد الفتاح العوض ارتياحه للقانون الذي أسهم في وضع بنوده لكونه أحد أعضاء اللجنة. ويقول لـ«الأخبار»: «القانون يركز على تشجيع إنشاء الوسائل الإعلامية الخاصة بكل أنواعها، وهو محاولة لفتح الباب أمام بيئة إعلامية جديدة. وهو يضمن حق الصحافي في الحصول على المعلومة، وهو ما لم يَرِد ذكره سابقاً في كل أدبيات الإعلام السوري». وعن دور اللجنة في متابعة تطبيق القانون يجيب: «كانت أمامنا مهمة وقد أنهيناها بمجرد تسليم القانون للحكومة السورية». وماذا عن «اتحاد الصحافيين» الذي تحول منذ زمن إلى كوة جباية للرسوم من دون أن يشعر أي من الصحافيين السوريين بوجوده إلا عند موعد تسديد هذه الرسوم؟ يرد: «القانون لم يتعرض لأداء الاتحاد أو لتطوير عمله على الرغم من أن هذا الجهاز الإعلامي مقصر في حماية الصحافيين... ويقف أحياناً متفرجاًَ على ما يحصل متخذاً موقف المحايد».
رغم التعديلات التي طرأت عليه، يبدو القانون الجديد عصرياً ويمثّل على المستوى النظري نقلة نوعية تبعث على التفاؤل، لكن الحقيقة أنّ العبرة ليست في صدور القوانين بل في التطبيق الذي تأخر زمناً طويلاً.