الإعلام الغربي لا يغطّي الثورات العربية فحسب بل يريد أن يكون جزءاً منها. وتماماً كما يحصل في الحروب، قرر بعض وسائل الإعلام خوض الحملات والمعارك بدل نقل التقارير وإجراء التحقيقات الميدانية ونشر الوقائع كما يراها المراسلون من أرض الحدث. وهذه «الحماسة»، أوقعت بعض المؤسسات في أخطاء فادحة ومتعمّدة ضربت صدقيتها.


إذاً، منذ انطلاق التحركات الشعبية في المنطقة، تبنّت كل مؤسسة إعلامية غربية السياسة المعتمدة من بلادها، فتحوّل الاحتفال بثوّار مصر، وتونس، إلى بروباغندا حربية بامتياز عند تغطية الملف الليبي. هكذا استعاد الإعلام الأميركي والبريطاني الأسلوب نفسه الذي اعتمده قبل اجتياح العراق عام 2003، لكن هذه المرّة لتبرير الهجوم الأطلسي على ليبيا: أبلسة الرئيس الحاكم، الترويج لنظرية إنقاذ المواطنين من طاغية يهدّد بقتلهم... إلا أن الأبرز هذه المرة كان التركيز على إمكان ارتكاب معمر القذافي مجزرة ضدّ سكّان بنغازي، إن لم يتدخّل «حلف شمالي الأطلسي» لإنقاذ المنطقة. وكانت قناتَا «الجزيرة»، و«بي. بي. سي.» من أبرز المروّجين لهذا الخبر، مؤكدتين أنّ العقيد الليبي «يقصف المواطنين بالطائرات الحربية» وفق ما أعلنه شهود عيان.
هكذا، بعناوين فضفاضة وبروباغندا نموذجية كـ«تحرير الشعب الليبي»، و«تخليص بنغازي من مجزرة حتمية»، و«حماية باقي المدنيين من جنون الطاغية»، تقدمت القوات الخاصة البريطانية وقوات «الأطلسي» تساند الثوار الليبيين من مدينة الى أخرى بغطاء دولي وعربي.
موقع «كاونتر بانش» يشير إلى التقارير الصحافية التي بثت على «الجزيرة» و«العربية»، ونشرت في مجلة «تايم» الأميركية، و«غارديان» البريطانية في بدايات الحرب التي تناولت «المرتزقة الأفارقة». وهو الأمر الذي أجّج عنصرية حادّة تجاه الليبيين السود، وأسهم في اندلاع معارك داخلية أدّت الى مقتل وأسر عدد منهم على أيدي الثوار. علماً أن تحقيقين ميدانيين لصحيفة «لوس أنجلس تايمز» ومنظمة «هيومن رايتس ووتش» أظهرتا أن لا دليل على وجود «مرتزقة أفارقة» في شرق ليبيا. بعدها، استدركت بعض المحطات الأمر، فبثّت «سي. بي. إي»، و«القناة الرابعة» البريطانية تقارير حول التمييز العنصري الذي يتعرّض له الليبيون من ذوي البشرة السوداء وعن عمليات النهب، والاعتداء، والعنف، والأسر التي يتعرّضون لها.
أما خبر توزيع القذافي حبوب «فياغرا» ومقويات جنسية على جنوده لدفعهم إلى اغتصاب النساء، فتضاربت المعلومات حول صحّته: «الجزيرة» الإنكليزية تؤكد أن هذه الجريمة حصلت فعلاً من خلال في تحقيق ميداني من أجدابيا. أما «إن. بي. سي. نيوز» فنقلت عن مصادر عسكرية واستخبارية نفيها «تزويد مقاتلي القذافي بحبوب «فياغرا» أو اغتصاب النساء في مناطق الثوار».
وبالانتقال الى الأخطاء الفادحة التي ظهرت مباشرة على الهواء، بثّت «بي. بي. سي.» تقريراً مصوّراً (في 24 آب/ أغسطس) يظهر حشوداً بشرية قالت إنها لمواطنين من طرابلس يحتفلون بـ«تحريرها»، لكن تبيّن فوراً أنها لقطات لتظاهرة من الهند. القناة البريطانية اعتذرت عن الخطأ وأوقفت بث الشريط مباشرة. شريط تلفزيوني آخر وفضيحة جديدة كشف عنها الأسبوع الماضي: سلسلة وثائقية لقناة «آي. تي. في.» البريطانية بعنوان «أكسبوجر exposure» تضمّنت جزءاً كاملاً حول تهريب القذافي السلاح للجيش الجمهوري الإيرلندي عام 1988. وقد تبيّن أن المشاهد التي تصوّر علميات تهريب هذا السلاح لم تكن إلا مشاهد من لعبة فيديو شهيرة اسمها «آرما 2» أطلقت منذ سنتين في الأسواق. المتحدث باسم القناة اعتذر عن الخطأ قائلاً «إنه خطأ بشري مؤسف... لا بدّ من أن المنتجين استبدلوا المشهد الحقيقي بهذه اللقطات»! وللأخطاء الجغرافية حصّتها في الإعلام الأميركي خصوصاً. بعد غلطة «فوكس نيوز»، المحطة الأكثر مشاهدة في الولايات المتحدة، التي وضعت مصر بدل العراق على خريطة الشرق الأوسط العام الماضي، جاء دور «سي. إن. إن.». الفضائية الأميركية التي اشتهرت بتغطية حروب الشرق الأوسط نقلت الشهر الماضي ميدان الحرب من العاصمة الليبية طرابلس الى مدينة طرابلس شمال لبنان مع عرض للخريطة اللبنانية على أساس أنها ليبيا!
فضائح إعلام «الربيع العربي» أعادت قضية صدقية الإعلام الى الواجهة خصوصاً مع تطور تقنيات المونتاج والتصوير وهندسة الصوت، واندماج العمل الصحافي مع التواصل الإلكتروني واستبدال التغطية الميدانية بأجواء تُعمّم على مواقع إلكترونية قد تبعد أميالاً عن موقع الحدث.




عين الحلوة في سوريا

عام 2008 نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» صورة من الاشتباكات بين حركة «فتح»، وأعضاء من «فتح الإسلام» في مخيّم عين الحلوة (الجنوب) للاجئين الفلسطينيين. أما في العام 2011، فاستعانت صحيفة «ليبراسيون» بهذه الصورة نفسها، بوصفها «صوراً للشبيحة المرتزقة الخارجين على القانون في سوريا»! ونقلت قناة «العربية» هذه الصورة عن الجريدة الفرنسية من دون التدقيق في صحّتها. وقد أثار نشر هذه الصورة (التقطها محمود الزيات عام 2008) مجموعة من ردود فعل غاضبة من «غياب الدقة في تعاطي الإعلام الغربي مع الاحتجاجات الشعبية في سوريا».