منذ بداية تطرّقها إلى البلاد العربية مع «الشيخ» عام 1926 أو Beau Geste (إخراج وليام آي. ويلمان ــ 1939)، رسّخت هوليوود صورة الرجل العربي الخانع، والخارج عن الزمان. وهذا بالضبط ما يفعله «مهمة مستحيلة: أمة منشقة» (131 دقيقة ــ إخراج كريستوفر ماكويري الذي تشارك الكتابة مع درو بيرس وبروس غيلر ــ «الأخبار» 10/8/2015).


في الجزء الخامس من سلسلة الأكشن الشهيرة، نحن أمام كومبارس (عرب) يدخّنون النراجيل في مقهى خالٍ، يزيّنه الزليج (فن عريق في الجزائر والمغرب يعتقد أنه يرجع إلى القرن العاشر ميلادي، ورثه أهل المغرب العربي عن المورسكيين القادميين من الأندلس)، أو يقفون على ناصية الطريق، يتأمّلون البطل الأميركي توم كروز وهو يطارد جواسيس العالم! لا شيء يبدو مستحيلاً في العمل الذي حقق إيرادات ناهزت الـ 300 مليون دولار أميركي في شبّاك التذاكر العالمي، خلال الأسبوع الأوّل من عرضه. الفيلم الذي رسّخ توم كروز كواحد من نجوم أفلام الحركة منذ التسعينيات من القرن الماضي، لا يخرج عن سالفيه في اختزال العالم العربي في أراضٍ «خارج الزمن». فـ «الشرق» في خيال صنّاع السينما الأميركية، لا يتجاوز قطعان غنم، وأراضي قاحلة.


تحوّلت مدينة الدار
البيضاء إلى قرية بيوتها
من طين


هكذا، تحوّلت مدينة الدار البيضاء، التي يتجاوز عدد سكانها الثمانية ملايين نسمة إلى قرية تضم غنماً وبيوتاً من طين. إنّه الفانتازم الاستشراقي الذي تعيشه السينما الأميركية تجاه المنطقة، تماماً كما السياسة الخارجية الأميركية. الحبكة نفسها تتكرّر في «مهمة مستحيلة 5». فالأراضي العربية، حاضنة المقار السرية للمنظمات «الإرهابية» الدولية، يصبح الإنسان فيها على الشاشة شخصية «كيتش» تعتمر طاقية، فيما يغطي العرق وجهها. إنّها الأجساد السلبية، الخارجة عن الزمن والجغرافيا الدولية. أجساد ترسم معالم محليين يظلّون مجرّد تأثيت لفضاء يفعل فيه الرجل الأبيض. وبدل أن يرسم الفيلم صورة «الشعب» كما يحبذ تسميته الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير، أي عبر رسم مسار الذاتيات والأفراد بإعطائها القدرة على اجتراح الكلمة، يصرّ العمل على وضع سكان المنطقة في خانة الحياد السلبي. الجسد مندهش، ولا يطوّر أي كلام أو خطاب في «مهمة مستحيلة: أمة منشقة»، ما عدا بضع جمل لا قيمة تذكر لها. إنّه منقاد نحو الصمت المريب الذي يوضع في إطار مشهدية تجمع بين الحركة السريعة والحوارات التي يراد لها أن تكون كوميدية. إنّها التقنية التي لطالما كانت أساسية في هوليوود، بينما يتوجّب على البطل الأميركي أن يكون خارقاً ومنحازاً لعدالة «الإمبراطورية»، وأن يكون على النقيض من الجميع. إنّها الهيمنة، التي دفعت بكتّاب القصة إلى «احتقار» كلّ الجنسيات المُقدّمة فيه. بين اغتيالات في النمسا، واختراق لأعلى هرم السلطة في بريطانيا... يظل البطل القومي الأميركي، الخارق الذكاء، الوحيد العامل في الخفاء على الحفاظ على النظام العالمي في مواجهة السياسيين «الجهلة». رجل الاستخبارات الأميركي هو الوحيد، القادر على فهم حركة التاريخ والجيوستراتيجيا، والضامن الوحيد للأمن والسلام العالميَيْن.
فيلم توم كروز، الذي صُوِّر في عدد من المدن المغربية منها الرباط والدار البيضاء خلال العام الماضي، حصل على دعم كبير من السلطات المغربية، لإنجاح تصويره. حتى إنّها أوقفت حركة المرور حيث التقطت مشاهد المطارادات. لكن في المحصلة يبدو العمل فيلماً آخر، ينتمي إلى خيال تقليدي هوليوودي، يرسّخ الصور النمطية عن كل بلدان المعمورة.
ورغم أنّه قدّم المغرب كدولة تملك تكنولوجيا متطوّرة، غير أنّ هذا لا يغيّر شيئاً في صورة العربي في السينما الأميركية: هو الكائن الذي تصير أرضه مأوى لكل المؤامرات، من دون أن يدرك ذلك. إنّه مجرد شاهد غرّ على معارك الكبار!

«مهمة مستحيلة: أمة منشقة»: «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «بلانيت» (01/292192)، «سينما سيتي» (01/995195)، «فوكس» (01/285582)