لقد اخترق نور الشريف جيلاً كاملاً من الفنانين المبدعين المتميزين، فكان من الأكثر لمعاناً والأكثر ثباتاً في مواقفه الفنية والسياسية والثقافية عامة.

عرفته في بداياتنا، وكانت الصداقة الدائمة... المستمرة.
عرفته، فأحسستُ أن ذلك الشاب مختلف بتوجهاته، وخياراته التي أكسبته أحياناً الأعداء في شتى الميادين.
فنان متميز، وأب متميز، وصديق متميز. كان وبوسي رفيقة دربه يمثلان الثنائي الانساني الجميل، والعائلي المتين ــ وحتى آخر حياته ــ في الزواج والصداقة!

منذ شهرين تقريباً، اتصلت به كي أزوره في بيته في ضاحية في القاهرة الجديدة الممتدة عبر الصحراء.
وكنت أعرف في قرارة نفسي أني ذاهبة لوداعه، الوداع الأخير، رغم أني أؤمن بالعجائب، وكنت أود لو تحصل هذه العجيبة، ويبقى نور، نوراً ساطعاً في هذا الكلام الدامس. ذهبت مع صديقة العمر عزة فهمي، ووجدناه في انتظارنا، مبتسماً أنيقاً، فأحسستُ بالتفاؤل يغلب كل توقعاتي.
وجلسنا، وتحدثنا، وضحكنا طويلاً في كل المواضيع التي تهمنا من سياسية لبنانية، وعربية وعالمية، وثقافة عامة خاصة عن المسرح. وكان المسرح من اهتماماته الرئيسية رغم تألقه في السينما والتلفزيون.
وكان نور الشريف سنة 2014 وفي شهر ديسمبر قد لبّى دعوتي وهو مريض وعبر الهاتف، لدعم «مسرح المدينة» الذي كان يقيم حفلته السنوية الخاصة بجمع التبرعات.


فنان مختلف بتوجهاته، وخياراته التي أكسبته أحياناً الأعداء في شتى الميادين
وقال لي: نضال، سأكون معكم، لا تهتمي بأي تدابير حول السفر والإقامة، فسوف أقوم بذلك بنفسي. وعندما وصل مع العزيزة ليلى علوي التي جاءت خصيصاً لدعم المسرح مع نور، فاجأني بدخوله وأدركتُ أنه فعلاً يسندني حتى النهاية...
وفي اليوم التالي، أصرّ أن يحضر عرض «الواوية» وأكد لي أنّه سيجيء خصيصاً كي يشاهدني على الخشبة.
وخلال زيارتي له في بيته الجميل بحضور زوجته المحبة بوسي، سألني الكثير الكثير عن المسرح، وأظهر لي تعجبه وإعجابه بقدرتي على الاستمرار.
وشرح لي أنّه سيشيد بناية للسينما وإنتاج السينما قرب بيته، وسألنا ماذا نقرأ في هذه الأيام، فأعطيناه أسماء الكتب التي نقرأها وتهمنا. وكان يكتب ملاحظات على دفتر صغير. ثم صعدنا معه إلى الطابق العلوي، حيث يعمل وينام أحياناً. شقة مليئة بالكتب ولوحات تشكيلية من مصر والعالم العربي.
وعند نزولنا إلى بيته مجدداً، أخذ صليباً كان موجوداً على طاولته وأعطاني إياه وقال: «هذا لك، صليب من الخشب المحفور. قبطي جميل...»، فابتسمت. فقال: «أعرف أعرف ما تفكرين به يا نضال»! وكانت لحظة وجودية بيننا لا تحتاج إلى شرح. ونزلنا إلى الطابق السفلي، وودعناه كي لا نتعبه، ومضينا وقلبنا معه. وبقيت معه كل هذه السنوات نلتقي في كل المناسبات المسرحية والسينمائية. وفي السنوات الأخيرة، كنت أبعث له بالواتساب وهو في لندن والقاهرة، وأخبره عما يحصل معنا، يفرح، ويجيبني أو يتصل بي.
وداعاً أيها الصديق العزيز... وداعاً أيها الفارس الأنيق والآسر... وداعاً!
* مسرحية لبنانية