نوبل للقرّاء


بعدما بات الجميع كتّاباً، أصبحت الضالّة هي القارئ. عوض منح جائزة نوبل لأديب، الحقّ يقضي بمنحها لقارئ.
ليس في هذا الاقتراح مزاح. كان الأدباء في ما مضى جنساً بشريّاً نادراً، بينما كان الآخرون، أي جميع المتعلّمين، مرشّحي مطالعة. اختراع المطبعة مع غوتنبرغ وضع الحجر. لديموقراطيّة النشر. وديموقراطيّة التعبير، مع انتشار الصحافة خصوصاً، ومنذ القرن التاسع عشر، شرّعت الأبواب أمام حقّ الكتابة للجميع.
الموجات الثوريّة الحديثة أضافت إلى هذا الحقّ تراخي السلطة النقديّة وتحويل دور النشر والمنابر إلى جماهيريّات. صار الكتّاب، كالتظاهرات، بالملايين. لا يزال التمييز بين الجيّد والرديء ممكناً وقائماً، لكنّه أضحى كالبحث عن لؤلؤة. الفرق أن صيد المحار مهنة وصيد الجودة دعوة، والدعوة معادَلة بين الرسالة والموهبة، وتَحْتهما الصبر والجَلَد، وفوقهما الثقافة والبصيرة. هذا كلّه يُبَلْوِر أكثر فأكثر جوهريّة القارئ. فالأساس في الناقد المقيّم الصيّاد هو «موهبة» المطالعة. المطالعة موهبة أكثر بكثير ممّا هو كشف الطالع موهبة. بل القراءة عبقريّة على حدة.
يُؤثَر عن جان بول سارتر قوله «جهنّم هي الآخرون». عبارة في منتهى الخفّة لم تستقم إلّا بإغراء سهولتها. للكاتب، الآخرون هم الخلاص. للكائن، الآخرون هم الحياة. جهنّم هي الصراخ في الأودية.
القارئ أهل يَتبنّون. الكاتب الذي يطالع أكثر ممّا يؤلّف فَضْلُه في مطالعاته أكبر من فضله في تأليفه. القارئ الذي يظلّ قارئاً رغم كونه كاتباً أو مرشّحاً للكتابة أو موهوباً للكتابة، هو المحبّة ذاتها والتواضع ذاته والإنسانيّة بأكثر ما فيها شفافية.
جوائز الأدب يستحقّها القرّاء، هؤلاء الصيّادون المتحمّلون قسوة التيه في قفار الصدْفة. والقارئ هو القارئ الحرّ، لا قرّاء اللجان والمؤسّسات. هو هذه القارئة التي تتعامل مع ما تطالع كأنّه حياة أو موت، وذاك القارئ الذي يريد لكل حرف ممّا يقرأ أن يكون لحظةً فاصلة.
هذان القارئة والقارئ هما الجائزة.




ضعف حيال ضعف

لا تُعمي الشفقةُ عن الفوارق، لكنّها ترخي مفاصل الحكْم. ليست نقيض الصلابة: هي رحمتها السريّة.
المجتمعات في حاجة إلى سلطة كما هو الجسد في حاجة إلى عظْم وعَصَب. والسلطة في حاجة إلى قساة، لكن السلطة تضعهم دون أن يدروا على محكّ الفحص بين قسوة وقسوة: قسوة الخائف على وقسوة الخائف من. السلطة في حاجة إلى آباء بالمعنى البطريركي القديم.
الشفقة لا تتعارض مع العزلة والوحدة. العزلة والوحدة لا تُحجّران القلب، بل تحيطانه بفيء الاستغراق.
الشفقة تُذيب صاحبها. ليس هذا سبباً للتمرّد عليها. عالم التحجّر والهرولة كالآلات، يتحكّم فيه المتوحّشون. الشفقة تذيب صاحبها. حبّذا. الصخر الأصمّ لا يذوب، الشموع تذوب. ما من قَدَر أشَفُّ من قَدَر الشمعة.
عندما تجتاح الشفقة تكسر وتغمر المكسور. اللغة تميّز، وتمييزها كالعادة فاضح: أشفقَ عليه خاف وحاذَرَ وحرص، وأشفق على الصغير حَنَا وعطف. حتّى لفظة «شَفَق» يمكن ردّها إلى الشفقة: أليست الحمرة التي تتركها الشمس على الأفق من الغروب إلى العشاء نوعاً من ترؤّف النهار بالنازلين في الليل؟ ويبقى التمييز الأوّل هو الأبلغ: حيال الكبير، الشفقة خوفٌ وحَذَر وحرص، وربّما نصْح، ولا تأخذ معنى الحنان إلّا تجاه الصغير. وقيل الشفقة عطفٌ مع خوف، ولعلّ هذا أجمل تعريفاتها. ولا نعرف أيّهما أقوى، العطف على الشخص أم الخوف عليه، والثاني يتضمّن الأوّل، والأوّل يقود إلى الثاني، وعطفٌ بلا خوف هو إشفاق بارد، أو إحسانٌ أناني، وخوفٌ بلا عطف هو بَرْقٌ دون مطر.
الشفقة على الكبير تعني أنّ فيه صغيراً، وأنّك سَبَرْتَ هذا الصغير. الشفقة ضعفٌ حيال ضعف. المُشْفِق ذو أمومة. الحقيقة عجين الفلاسفة، الاكتشاف خبز العلماء، الشفقة ديْنُ مَن سَحَقَ الظلامُ عظامهم، ثم توالى على سحقها النور.



الأقوى

ما أقوى الذين يستمدّون قوّتهم من إشعاركَ بالذنب!
أقوى السلاطين هُم!
يوقظون فيكَ فروسيّة لن ترضى بتضحياتها، تمضي في التفاني بلا نهاية، فلا نهاية لشعور الذنب لدى الحنون، لدى الشفّاف الحنون، هو الذي يُحسّ أنّه مسؤول عن تعاسة جميع الضحايا، لا لأنّه ساهم في تعذيبهم، بل لمجرّد كونه شاهداً عاجزاً لهذه التعاسة...
التعاطف أقوى ما يمكن أن يأسر.
انظرْ إلى عينَي مقهور: لن تستطيع أن تغمض عينيك بعد ذلك.
البريء... البريء المغلوب، أعظم هاجسٍ تسكن صورته كلّ عادلٍ بارّ
وكلّ مذنب سابق.
الويل للعادل البارّ من حنانه. لن يستعبده احتلال أشدّ ولن يهنأ له بال.




من سراب الماضي

لا ننسَ سراب الماضي،
القنديل الذي يشتعل فوق طاولة السنديان، ينتظر رجوع الصبي إلى البيت البلا كهرباء في الشارع الغميق.
لا ننسَ. ولكنْ لا حاجة إلى التذكير، فمَن ذا أقوى من ماضيه الأمّ؟
ماضٍ جريح، طاحن، ما إن ننأى عنه قليلاً حتّى يغدو سراباً.
الرجل لقمةٌ في أشداق الماضي. الطفل ذبيحة الرجل الذي أصبحه. الطفولة ليست مرحلة، الطفولة هي طفولتها ومراهقتها وبلوغها وكهولتها وشيخوختها. حسب طفولتكم تُرزقون.
ارجعْ قليلاً وتطلّع إليه، ذلك الماضي المسلوخ، السالخ، ترَ كيف أنّكَ كنت توهم النفس ـــــ والنفس آنذاك عجينة تائهة ـــــ أنّك في كلّ لحظة تمرّ إنّما تنجو من تلك اللحظة... وأنّ الحياة حلقاتُ خَطَر، وأنّك ناجٍ ولستَ حيّاً عاديّاً.
وأنّكَ ناجٍ لهذه اللحظة، واللحظة القادمة مجهول، والليل عدوٌّ سافر، والنهار عدوّ مموّه، واللسان تُجمّده دقّات القلب، ومَنْ حَوْلك كلُّ الحبّ، وبَرْدك المقيم يُرجّف عينيك، وخوفك من نفسك، أنت الصغير، يفوق خوفك من الدنيا.
كانت العيون ملء النقاء، والنقاء ملؤه التهديد، والتهديد لا يُرى...
وفجأةً أصبح الجميع كباراً...



عابرات

تغمضين عينيكِ على أحلامك وتفتحينهما على أحلامه...

■ ■ ■

تَلوَّني بالنَغَم المهيمن ثم تَباهَي بتنويعاتكِ.

■ ■ ■

بألفاظٍ كالجمر تُذيبين رَجُلاً كما يقتلع الإعصارُ شجرة.

■ ■ ■

أخذها وما استحقَّها فحقد عليها.
عذّبها فستّرت عليه فحقد عليها.
سامَحَتْه وسامحه الله...
عقابُه أنّه لا يسامح نفسه ولم يعد يستطيع أن يحقد.

■ ■ ■

يقال إنّ الشجاعة كثيراً ما تقترن بالغباء. أليس ذلك أفضل من أن يقترن الذكاء بالجبن؟
والشجاعة تغسل غباءها، فيما الذكاء يزيد الجبن بشاعة، والجبن يشلّ الذكاء.

■ ■ ■

الرياح صديقة العميان يَسندون إليها ظهورهم الخفيّة. الرياح مديرة العواصف المُسْكِتة لعواصف، ومعيدة الحناجر إلى خشوعها...

■ ■ ■

مَن نهارُه ترجمة لليله، كيف يَحتمل أن يكون ليلُه ترجمةً لنهاره!؟