مثّلت الأنباء عن محاولة الاعتداء على «نسمة» ومديرها العام نبيل القروي، حلقة جديدة من مسلسل التوتّر الذي بدأ يأخذ أبعاداً جديدة في تونس، بعد سقوط نظام زين العابدين. الاستقطاب «الإسلامي ـــــ العلماني» يعدّ من الأوراق التي طالما استعملتها الدكتاتوريّة بنجاح. إلا أن الجديد هذه المرة، أنّ الطرفين، أي العلماني والإسلامي، باتا أكثر قدرة على إيصال صوتيهما بصخب أحياناً. وقد برز بقوة أخيراً لاعب جديد على الساحة:


إنهم الإسلاميون الذين يقفون على يمين حركة «النهضة» بزعامة راشد الغنّوشي. إضافة إلى «حزب التحرير»، سمحت الثورة للسلفيين أيضاً بالخروج من زنازين بن علي. ظلّ هؤلاء محلّ اتّهام في أكثر من مناسبة: من محاولة إغلاق المواخير المرخّصة، وصولاً إلى محاولة تنظيم صلوات جماعيّة في الشارع الرئيسي في العاصمة. وكان الاعتداء على سينما «أفريكارت» منذ أشهر الحدث الأكثر دراماتيكيّة، على خلفية عرض فيلم «لا الله ولا سيدي» لناديا الفاني («الأخبار»، 4 تموز/ يوليو 2011).
ولعلّ الصعوبة الأساسية في الحكم على هذه الأحداث تكمن في... وسائل الإعلام. لا وسيلة إعلامية تونسية تتمتّع بصدقية عالية، ولا يمكن التعويل على حياديّة وسائل الإعلام الأجنبيّة في هذا الموضوع تحديداً. كذلك، لا يمكن الاطمئنان كثيراً إلى روايات وزارة الداخليّة. وهذا الغياب لمصدر موثوق يؤدي إلى خروج روايات متعددة عن الحادثة مثل عملية إضرام النار في منزل نبيل القروي. أطل هذا الأخير على إحدى الإذاعات الرسمية ليقدّم رواية قيل إنها «مبالغة» لما تعرّض له، فقال: «نحو مئة من السلفيين، مسلحين بسلاح أبيض، هاجموا منزلي بقوارير الغاز... وهم يرددون الله أكبر الله أكبر». أما وسائل إعلام أخرى فتناولت الحادثة نفسها بصيغة أقلّ عنفاً.
على أي حال، الحديث عن وجود خطر حقيقي ناتج من الخطاب التحريضي بات ضرورياً، ولا يمكن تجاهل وجود خطاب سلفي جهادي متطرّف خرج إلى النور بعد الثورة، من أبرز رموزه: سليم القنطري. يطلق هذا الأخير على نفسه كنية الشيخ أبو أيّوب التونسي. وتحدّث القنطري بأريحيّة في شريط فيديو عن «ذبح» المسؤولين عن هذا «التعدّي على الذات الإلهيّة» إن «توافرت مقوّمات الجهاد». وفي انتظار توافر هذه «المقومات»، دعا إلى النزول إلى الشارع لـ«كسر مقرّ القناة وتدميره». واللافت أنّ هذه التصريحات التي يجرّمها القانون التونسي لم تؤدّ إلى اعتقال صاحبها أو التحقيق معه.
إزاء هذا الخطاب التحريضي المخيف، لا يمكن الاكتفاء باتّهام القناة باستفزاز «مشاعر المسلمين» كما يقول بعضهم. في المقابل، لا يمكن اعتبار «نسمة» مؤسسة حامية لقيم الحداثة في تونس. يصعب تصديق أن قناة يملك ربع أسهمها رئيس الوزراء الإيطالي اليميني المتصهين سيلفيو برلسكوني، قد تكون في صفّ «الحداثة» و«التقدّم». كذلك إنّ هذه المحطة، كغيرها من وسائل الإعلام الخاصّة في العهد السابق، لم تكن لتحصل على ترخيص لولا علاقتها الجيدة بالسلطة. ولا يزال التونسيون يذكرون الشريط الدعائي الذي بثّته القناة «تغزّلاً» ببن علي في الانتخابات الأخيرة. ومشهد نبيل القروي وهو يصف بن علي بـ«بونا الحنين» (والدُنا الحنون) لا يزال مؤرشفاً على الإنترنت.
وهنا نذكّر بأن «نسمة» اعتمدت منذ انطلاقها على مضمون استفزّ أنصار «الهويّة العربية الإسلامية» في تونس. هكذا شطبت كلمة العربي من عبارة «المغرب العربي الكبير»، واستعملت الـ«فرانكو آراب» (العربيّة الدارجة المخلوطة بالفرنسيّة) في برامجها. وقد أثار بعض برامجها الجريئة حفيظة المتدّينين المحافظين، وهم جزء لا يستهان به في المجتمع التونسي.
أمام هذا الواقع الشائك، لا يمكن الحكم على ما حصل بعد عرض «برسيبوليس» من دون وضعه في إطاره السياسي: «نسمة» سبق أن رفضت مع وسائل إعلام خاصّة أخرى قانون تنظيم القطاع السمعي البصري الذي أعدّته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة بالاشتراك مع هيئة إصلاح الإعلام. وبالتالي، فالمحطة تعمل وفقاً لأجندة سياسيّة ذات خلفيّة إيديولوجية واضحة. وعلى الضفّة الأخرى لا يمكن أن نتجاهل إصرار التيّارات الدينيّة المتشدّدة على فرض مطالبها بالقوّة.
بغضّ النظر عن النيات، يبدو أنّه في كلا الجانبين، أي عند العلمانيين والإسلاميين، جناحاً متشدّداً يستعجل حسم مسائل مركّبة ترتبط بـ«قضيّة الهُويّة». وهنا يصبح التساؤل مشروعاً عن مدى سلامة هذا الصراع في ظلّ ظروف اجتماعيّة وسياسيّة غير مستقرة. ظروف يغطّيها إعلامٌ لم يتخلّص بعد من أمراضه القديمة، وتسهر على ضبطها منظومة أمنيّة لا تزال تمثّل أحد أكبر ألغاز «المرحلة الانتقاليّة».