وليد جنبلاط يطالب بمحاكمة نفسه، أسوةً بكلّ من ارتكب مجازر خلال الحرب الأهليّة! هكذا تكلّم «البيك» ـــ شاغل النشرات الإخبارية بتقلُّباته ـــ عام 1987. في باكورته التسجيلية الطويلة «حياة النحل ـــ إشارات من الموحدين الدروز» (1987 ــ 52 د.)، حمل هشام الجردي كاميرا 16 ميلليمتراً، وذهب إلى المختارة. لكنّ جنبلاط ليس الشخصية المحوريّة في شريطه الوثائقي هذا. يحتلّ الشوف وأهله كامل المشهد، ومنهم مشايخ في خلواتهم، ونساء يروين مجازر حرب الجبل، وعجوز امتهن تربية النحل.


ينجز الجردي استعارة ضخمة، تقارن بين سيرة الدروز، وحياة القفير. ويدعّم شريطه بصور من أرشيف وزارة الدفاع الفرنسيّة، تصوّر خيّالة سلطان باشا الأطرش، خلال الثورة السورية الكبرى (1925). «نادي لكلّ الناس» يوجّه بعد أيّام تحيّة استعاديّة لهذا السينمائي اللبناني الذي يقف على حدة بين أبناء جيله، ما يمثّل فرصة أمام الجمهور الجديد لاكتشاف تجربته، وخصوصاً أن الجردي يعيش بعيداً عن الأضواء في باريس منذ 1974. سيحلّ المخرج ضيفاً على «مسرح بيروت» في عرض جماهيري أول لفيلمه القديم بعد غد الأربعاء. وسنستعيد محطات من مسيرة عمرها ثلاثة عقود، بدأها مساعدَ مخرج في شريط برهان علوية «بيروت اللقاء» (1982). توزّعت أعماله بين تحقيقات صحافية مصوّرة لـ«فرانس 2»، و«سي. أن. أن.»، وبين إنتاجات تسجيلية سنشاهد منها شريطه اللافت «أربع نساء من شاتيلا» (52 د. ـــ 2002؛ 20/ 10). بواسطة كاميرا «بيتا أس بي»، دخل هشام المخيّم مع ساعات الصباح الأولى، ويغادره عند الغروب. بين بيوت التنك، وزواريب المخيم، يبحث عن ناجين يخبرونه حكاية ليلة الجمعة السوداء. شهيرة مثلاً، تحتفظ بقصاصات صحف صوّرت عائلتها المنحورة. وأم علي تدلّنا: «هنا قتلت ابنتي». على وقع أغنيات الشيخ إمام، تتنقل العدسة بين بيروت وغزة، لتصوّر أحياء يعيشون الكابوس المتواصل، لجريمة مرّ عليها يومذاك عشرون عاماً. ستشمل الاستعادة شريط «أوغو» (1998؛ 21/ 10)، وهو وثائقي ـــ روائي، يعيد تركيب حياة الرسام الدنماركي ـــــ الفرنسي أوغو نيلسن الذي توفي في الـ22. في خلفية العمل حفر عميق في جماليات فنّ الشرائط المصورة، ودورها التحريضي. يتيح لنا «نادي لكلّ الناس» إذاً، أن نكتشف عن قرب مخرجاً، صاحب أسلوب خاص، وحضوراً خاصاً على خريطة السينما التسجيلية لبنانيّاً وعربيّاً. في «حياة النحل»، و«أربع نساء من شاتيلا»، يلتقط هشام الجردي أصوات الأزقة، ورائحة القمامة في شوارع المخيّم، وأزيز النحل. يفتح بذلك جراحاً ترخي بثقلها على ذاكرتنا الجماعية. هذا ما تشي به تلك اللقطة القريبة والمطوّلة لأرض مقبرة الشهداء في شاتيلا.

برنامج استعادي لأعمال هشام الجردي: 8:00 مساءً بعد غد الأربعاء ١٩ ت١ (أكتوبر) حتى 21 الحالي ـــــ «مسرح بيروت» (عين المريسة).
للاستعلام: 03/888763