تسكن دمشق في أعماقه، لكنّه يفضّل عليها ملكوته الجميل، في سكون الريف البعيد. هناك، في فيلا جميلة في منطقة دروشة، اختار المخرج والممثل السوري المخضرم أن يمضي معظم أيامه، بعيداً عن جنون المدينة وصخبها. قرب المسبح، وتحت دالية العنب، يبدو سليم صبري مستعداً لسرد قصصه وحكاياته من دون أسئلة. يفرض حيويته على الحديث، فيمرّ الوقت سريعاً برفقة «شيخ الشباب»، كما يلقبه نجوم الوسط الفني في سوريا. في أحد البيوت العربية في حي المهاجرين الدمشقي، ولد سليم صبري لأب عسكري. يتذكر الرجل السبعيني هديّته الأولى: دراجة هوائية صغيرة، كان يستمتع بركوبها في الدار. عن والده ورث الكثير من الحزم، وحسّاً دبلوماسياً عالياً. كان «سليم بيك» الأب، ضابطاً في الجيش العثماني، أسره الإنكليز أثناء الحرب العالمية الأولى لمدّة سنتين. لاحقاً، طلب الملك فيصل فكّ أسره، فالتحق بصفوف الجيش السوري، وبقي فيه حتى تقاعده الاختياري بعد انقلاب حسني الزعيم (1949).


«كان والدي شخصية استثنائية، وقد أثّر في حياتي كثيراً. أذكر أنّه رفض انقلاب الزعيم، ولم يستجب لاحقاً لطلب الرئيس أديب الشيشكلي بالعودة إلى صفوف الجيش. قال له يومها: عليك الابتعاد عن الحكم لأعود أنا إلى الجيش».
لكن العقلية العسكرية لم تنسحب على تربية الأولاد. والده كان العرّاب الأول لموهبته. كان سليم ابن السادسة عشرة، يتجول في أحياء دمشق، تداعبه فكرة الفن. أسرّ إلى والده باهتماماته، فأهداه كتباً لشكسبير وإبسن، وحدّثه طويلاً عن بدائية فن التمثيل في سوريا آنذاك، وناقشه في تاريخ المسرح العالمي، وشجّعه لينجز أوّل عرض مسرحي. «بعد عام على العدوان الثلاثي على مصر (1956)، كان الشعب السوري قد ملّ مشهد العسكر في الشوارع. وكان المزاج العام يتمنّى ابتعاد العسكريين عن السلطة. لكنني كنت أخالف هذا الرأي ضمنياً، وحولت وجهة نظري إلى عرض مسرحي، كان الأول في مسيرتي، بمشاركة صديقي الممثل بسام لطفي». منذ ذلك الحين، تحوّلت كل أوقات الفراغ إلى ورشة للكتابة المسرحية. خلال الفرصة في المدرسة، أثناء النزهة في الحديقة، وحتى خلال أوقات الدراسة في المنزل، انكبّ المسرحي الشاب على كتابة نصوص كان يؤديها لاحقاً على خشبة المدرسة. لاحقاً، وبالتعاون مع بعض زملائه، استحصل على خشبة «النادي المصري» (المركز الثقافي العربي حالياً) لتقديم عرض جاد، حقّق حراكاً مهمّاً على شباك التذاكر.
تشجّع مدير المركز آنذاك عبد الستار العزوني لتجربة الشباب المغامرين، ودعمهم. احتضنهم النادي، وفتح أبوابه لعروض مسرحية راحت تحقق إقبالاً متزايداً. ردّ الفعل الإيجابي على أعماله، زاد من تصميم سليم صبري على المضي قدماً في طريقه... وصار نجوم الفن في تلك الحقبة يأتون لمشاهدة مسرحيات أولئك الشباب، إلى أن اقترح عليهم المخرج صبري عياد العمل في مسرحية «صرخة دمشق» (1958) التي عرضت على «مسرح الحمراء».
بعد الشهادة الثانوية، التحق صبري بـ«كلية الحقوق» في «جامعة دمشق». في أيام الدراسة الأولى، توجّه إلى مكتب المسؤول عن النشاط الجامعي وطلب منه الدعم لإنشاء مسرح جامعي. لم يأخذ المسؤول الجامعي الطلب بجديّة، لكنّ حماسة صبري في الكلام عن المسرح العالمي جعلت الرجل يغيّر رأيه. مع «بيت الدمية» لإبسن كانت البداية مع أول عرض يقدمه صبري على خشبة «المسرح الجامعي»، بالتعاون مع المخرج الأردني هاني صنوبر. استمرّ عرض العمل لفترة طويلة، حتّى إنّ الجامعة حجزت «مسرح الحمراء» لتقديمه أمام الجمهور. «أثناء عرض هذه المسرحية، دخل أحد زملائي الكواليس وقال لي إنّ شخصاً مهماً كان ينتظرني، وهو المحامي الشهير نجاة قصاب حسن». دعاه الأخير يومها إلى العمل في «المسرح القومي» في مسرحية «الليدي وندرمير» لأوسكار وايلد.
بعد فترة، اكتشف سليم أنّ المسرح القومي لا يقدّم إلا مسرحيّات عالمية. قرر أن يقلب القاعدة، وأقنع الإدراة بأن ينجز عرضاً مسرحياً عن نص «البيت الصاخب» لوليد مدفعي... كانت تلك أوّل مسرحيّة سوريّة تعرض على خشبة «المسرح القومي». بمحاذاة ضغوط العمل وازدحام المشاريع، التقى على خشبة المسرح برفيقة دربه الممثلة ثناء دبسي. تزوّجا من دون أن يتصارحا بمشاعرهما. رافقتهما أغاني فيروز طوال مشوارهما، فأورثا عشقها لأولادهما ريم وثائر عازفي الغيتار، ويارا نجمة الدراما السوريّة.
بعد تجربة مسرحية غنيّة، انتقل سليم صبري إلى «وزارة الإعلام»، وعمل في التلفزيون مع المخرج سليم قطايا في تمثيليات قصيرة. أخرج مسلسل «مساكين» (1969) ثمّ كُلّف بمهمات إدارية، قبل أن يقدّم اقترحاً لوزير الإعلام بإنشاء مؤسسة عامة للإنتاج التلفزيوني. رفض الوزير الفكرة رفضاً قاطعاً، فردّ عليه سليم بهجوم شرس في الصحافة. هجوم دفع رئيس مجلس الوزراء إلى استدعاء المخرج الشاب والاتفاق معه على إنشاء مديرية في التلفزيون خاصّة بالإنتاج، كان صبري أوّل مدير لها.
أنتج بعد ذلك عدداً من المسلسلات، إلى أن أصيب بجلطة قلبية أقصته عن العمل لمدّة عام كامل، عاد بعدها ليسافر إلى اليونان، وينجز «حارة الصيادين» (1979) وكان أوّل مسلسل سوري ملوّن، والإطلالة الأولى للممثلة نادين خوري. عمل لفترة في الخليج على برنامج بعنوان «سلامتك»، ثمّ عاد إلى سوريا ليخرج عدداً من المسلسلات منها «المغنّون»، و«شجرة النارنج». في تلك الفترة، اقترح عليه شيخ المخرجين السوريين هيثم حقي التفرغ للتمثيل، بعد مسلسل «خان الحرير» الذي مثّل محطّة مفصلية في الدراما السورية، وأدّى فيه صبري دور السيّد كمال، أحد كبار التجار في سوق حلب.
منذ ذلك الحين، زادت شعبيّة صبري على الشاشة، وأخذ أدوار البطولة في إنتاجات درامية مهمة، منها «الخوالي»، و«الفصول الأربعة»، و«أبناء القهر»، و«بقعة ضوء». «دخل إلى الوسط مخرجون شباب، يحملون دماء جديدة من حاتم علي، إلى الليث حجو، والمثنى صبح، وسيف الدين سبيعي. لهذا، قرّرت الابتعاد كلياً عن الإخراج بعدما شعرت بأنّني قدمت كل ما لدي».
من تحت دالية منزله الريفي، يرجع سليم صبري في الزمن، فيرى حياة غنية، وتاريخاً فنياً طويلاً. يتحسّر لأنّه لم يطوّر موهبته في الرسم والتصوير، رغم أنّه خلّف مجموعة كبيرة من اللوحات يعلقها على جدران منزله. في الوقت الحاضر، يتهيأ للموسم الدرامي المقبل، وإن كانت الأجواء الإنتاجية غير واضحة بعد. حين نسأله عن رياح التغيير التي هبّت على بلاده، يتفادى الخوض مباشرة في الأمور الحساسة والمسائل الموجعة. ويكتفي بهذه النظرة الطوباويّة: «لو كان لدينا الحد الأدنى من الوعي لما وصلنا إلى درجة نخرب فيها أوطاننا، ويقتل بعضنا البعض الآخر. علينا أن نصل إلى درجة وعي كافية، تخوّلنا أن نجبر الجميع على سماع آرائنا من دون عنف».




5 تواريخ


1940
الولادة في حي المهاجرين في دمشق

1958
المشاركة الأولى في المسرح الاحترافي في «صرخة دمشق» للمخرج هاني عياد

1979
أخرج «حارة الصيادين» أول مسلسل تلفزيوني سوري بالألوان

1996
أدّى دور السيّد كمال في «خان الحرير» لهيثم حقّي، وتفرّغ للتمثيل بعد مسيرة إخراجية غنيّة

2011
شارك في الجزء الثامن من مسلسل «بقعة ضوء» لعامر فهد، وفي «المنعطف» لعبد الغني بلاط، ويستعد للموسم الدرامي الجديد