الهلع الممزوج بالـ«ترقُّب» والـ«انتظار» والـ«أنين» حاضر في اللوحات الأحدث إنجازاً في «زوايا» معرض الرسام السوري أحمد قليج (1964) في غاليري «زمان». الصفات السابقة هي عناوين لوحات تترجم الوضع السوري المفتوح على احتمالات غامضة. اللوحات الأقدم مشغولة بتأريخ شذراتٍ من سيرة شخصية وعائلية. في الحالتين، نجد ذلك النوع من الحزن الذي لطالما تكرّر في تجارب أغلب الرسامين الأكراد. ثمّة سلالة يمكن وضعها على حدة داخل المحترف السوري. سلالة مدينةٌ لمدونة لونية متقاربة، وطموحات فردية متباعدة. ينتمي أحمد قليج إلى هذه السلالة، لكنه مثل الجميع، يبحث عن بصمة ذاتية. لعل جزءاً من هذه البصمة يتجلى في تخفّفه من البهرجة اللونية، وفي تخلّيه عن أجزاء كبيرة من تقاليد «المنظر الكردي»... لكنّ روحية الهوية لا تزال مقتسمة مع أقرانه. ملاحظة كهذه قد تبدو هامشية أمام الموضوع الضاغط للمعرض، لكنّ صعوبة تجاهلها متأتية من حقيقة أنّ الموضوع السياسي والاجتماعي، لا يغيّر كثيراً في أسلوبية اللوحة ومعجمها اللوني.


الألوان الحارة والمكتومة تفترش قماش اللوحات كلّها، بينما المزاج التعبيري الحاد يحوّل التشخيص إلى ذريعة لقول أشياء وأفكار أبعد مما تُظهره اللوحات للوهلة الأولى.
لا يرسم قليج ترجمات مباشرة وفورية للأحداث المتفجّرة في بلده، بل يطارد تأثيرها على الناس هناك. يفضّل العناية بالتفاصيل المهملة والمؤجلة، والتي لا تجد مساحة في النقاش السياسي أو في التغطيات الإعلامية. اللوحة هنا تحاول أن تقدم ما يمكث أكثر من الصورة التلفزيونية. إنها شهادة أكثر خلوداً من الخبر العاجل. هكذا، نرى أنفسنا في معرض «زوايا» أمام 49 لوحة يؤرّخ أكثر من نصفها لحركة الاحتجاجات في سوريا، لكنها تتجاوز منطق أن تكون شهادة مباشرة عليها. في رباعية بعنوان «آراء»، نرى رأساً مضمّد بالشاش والدم، لكن المطلوب منا هو معاينة تعبير العينين اللتين تنقلان إلينا قلقاً وخوفاً مما سيلي الحدث.
العيون هي النواة التي يبدأ منها تأليف أغلب لوحات المعرض. اللطخات التالية تتحالف مع ما يخصصه الرسام للعيون التي يمحوها في بعض اللوحات، تاركاً أصحابها في عزلة وغفليّة كاملتين. يحدث ذلك في اللوحات المنجزة من أصلٍ فوتوغرافي مجلوب من ألبوم العائلة، بينما العيون فاغرة في اللوحات الأخرى. بطريقة ما، تذكرنا أعمال قليج بالنظرات الحزينة والوجوه المترقبة في لوحة «ثم ماذا» التي أنجزها الرسام السوري الراحل لؤي كيالي (1934 ـــ 1978) قبل هزيمة حزيران، كما أنّها ليست بعيدة عن «صرخة» إدوارد مونخ الشهيرة.





«زوايا»: حتى 6 ت 2 (نوفمبر) ــ «غاليري زمان» (شارع السادات ــ الحمراء). للاستعلام: 01/745571