كيف رأى عشرة فنانين أجانب بيروت في سياق العمارة والتخطيط المدنيّ، والذاكرة، والهوية التاريخيّة والثقافيّة؟ هذا ما يجيب عنه معرض «تجربة بيروت» الذي أشرف على تنظيمه جان بول فيلي وأوليفييه كيزر من جمعيّة Attitudes السويسريّة. اختار القيّمان على المعرض «دعوة عشرة فنانين عالميين لتقديم أعمال تتمحور حول بيروت» وفق ما جاء في تعريفه. وكان لـ«زيكو هاوس» دور التنسيق في العاصمة اللبنانية. اختير الفنانون على أساس اهتماماتهم بمفاهيم تعدّ أساسيّة في السياق البيروتيّ واللبنانيّ في نظر القيّمين. أنتج كلّ فنّان عملاً جديداً مرتبطاً بهذا السياق بعدما أقام على الأقل مرّتين في بيروت، قبل افتتاح المعرض في «الهنغار» (راجع المقال أدناه) في 11 تشرين الأول (أكتوبر) و«مركز بيروت للفن» في 12 منه. تتنوع الأعمال المعروضة في «مركز بيروت للفن» بين الرسم والنصوص والفيديو والتجهيزات الفنيّة. عند وصولك إلى المكان، تلفتك حافلة مدمّرة مركونة عند المدخل.


ينتابك الخوف من أن يكون ذلك تجهيزاً آخر «لبوسطة عين الرمانة». تشاهد ثلاث شاشات داخل الحافلة تُعرض عليها أفلام فيديو وفيلم آخر صوّره والد الفنان السويسري إريك هتان (1955) في بيروت خلال الستّينيات أي قبل الحرب الأهلية. كذلك، يقدّم هتان تجهيزاً ثانياً بعنوان Beyroots: هنا نشاهد كراسي موزعة على مساحة المعرض جمعها الفنان من شوارع بيروت. وعند أقدام بعض هذه الكراسي، نرى كتلاً من الاسمنت عالقة بها... استعارة مجازية لبيروت اليوم لا تستوقفك كثيراً.
أما عند المدخل الزجاجيّ للمعرض، فنشاهد بطاقات بريديّة ملصقة، كان قد أرسلها الروماني دان برجوفسكي (1961) إلى بيروت منذ ربيع 2011. بطاقات رسمها بنفسه ودوّن عليها عبارات انطلاقاً من الموضوع المطروح (مثل «من أجل الحريري»، big city downtown city....) تُقابلها على الحائط في الداخل رسوم مطبوعة على ورق ومنقولة إلى الجدار بورق الكربون. طرح مبسّط في نقده للرأسمالية، على نحو خاص، يتخلله الكثير من الكليشيهات.
وفي وسط مساحة الكراسي، هناك منحوتة تمثّل زهور الخشخاش، منفّذة بطين بيروت الأحمر. عمل تجسد فيه المغربية لطيفة الشخش (1977) صورة نمطية تربط بين الخشخاش والحرب وبيروت. أما الهولندية لارا المرسغي (1971) فكانت قد أنجزت سابقاً سلسلة أدلّة لمبانٍ مدمّرة ولخرائب في مدنٍ شتّى، تقدِّمها في هذا المعرض. كما تعدّ حالياً دليلاً لبيروت، لا يتوافر منه الآن سوى لائحة غير مكتملة لمبانٍ اختارتها في العاصمة اللبنانية كي تكتب عنها. لائحة مثيرة للاهتمام، لكن علينا انتظار تنفيذها حتى نستطيع الحكم على النتيجة. وتتخذ الفرنسية مرسلين دلبك (1977) من مبنى المرصد السابق في الجامعة الأميركيّة في بيروت فضاءً لتصوير فيديو عن رحلة بحث تحت عنوان «عدَن»، إضافةً إلى ثلاث صور فوتوغرافية تظهر طرقاً مؤدية إلى ثلاث في مدن عدة ضمن ثلاث صور معلقة على الحائط.
في مشروعه «السماء فوق بيروت» يقودنا طوني شكر ( 1968) في سلسلة من الجولات المعماريّة في منطقتين من مدينة بيروت: الأشرفيّة وأحياء المدينة التاريخية. قراءة مختلفة لخريطة العاصمة، تلفّ فيها شوارع الأشرفية القديمة الدائرية قبل أن تقطعها الخطوط السريعة الحديثة. شوارع تمثل أبنيتها الملتصقة تاريخ التطور العمرانيّ والمدنيّ للمدينة. رحلة بحث عن زواريب، وعن تاريخ مكتوب وراء الحائط، وعن ملائكة تعيش في الحيّ، عن نهر يقطع المدينة وعن أبنية جواسيس... قصة يرسم عبرها شكر خريطته الخاصة ببيروت. ويضيف إليها سرداً آخر من مذكرات لمهندس مجهول الهوية في الرحلة، لكن استعاراته وبيروته لا تفعل سوى إضافة معنى آخر لقصة شكر مع بيروت. طرح لتصوير خريطة سردية لبيروت، للسائر على دربها حق التفاعل والتبنّي أو لا. عمل مقدم على شكل موقع إلكتروني تفاعليّ في المعرض، أو يمكنكم الانضمام إلى الجولات العامة المقترحة خلال فترة المعرض للتجربة الحية.
يبرع السويسري مارك باور (1975) في مزج مادتيه، الرسم والنص، لسرد قصته عن بيروت كأنها «المدينة التي عاش فيها منذ الأزل» وفق نصّه. هناك خريطة جغرافية دقيقة «حيث لا يتم تمثيل العدو». يلجأ إلى بعض الإسقاطات الوهميّة من لعبة فيديو «نداء الواجب» (Call of Duty) على بيروت، ليضيف إلى سرده البعد الإجرامي في المدينة. «مصطفون وأمامهم شاشة في عشرينيات كآبتهم».
لطالما جُذب الفنانون إلى المعرض الدوليّ في طرابلس الذي صمّمه المعمار البرازيليّ أوسكار نيماير من عام 1968 حتى 1975. جذبت «القبة» ـــــ أحد مباني المعرض ـــــ الفرنسي أدريان مسيكا (1981) ليصوّر فيلمه بشريط «سوبر 8» ويطلق عليه عنوان «القبة». كان نيماير قد صمّم القبة لتكون أول المسارح الاختبارية الهيدروليكية في زمانها لو اكتمل تنفيذها. لكنّ الحرب الأهلية أوقفت تنفيذها عام 1975، فتحوّلت إلى أحد أكثر المباني غرابة في المساحة. تدلي الحدائد من سقف القبة التي كان مرادها التحكم بصدى الصوت، أصبح ترجيعاً لسيمفونية الصدى، الأجمل من الصمت. استغل مسيكا تعقيد الهندسة ليجول بكاميراه في أجزائها ويقدم صورة اختباريّة ذات جماليّة عالية. الصوت المرافق للصورة أنتج وسُجِّل بالكامل داخل القبة، ما أضفى سحراً على مقاربة الفنان للمساحة. لكن للمفارقة، فإنّ دخول الممثل في نهاية الفيديو أفقد عنصر الحياة الذي شعرناه في الفيديو... حياة اضمحلت مع ظهور العنصر البشري.
قد يكون عمل البريطاني مارك لويس (1957) الأبسط والأبلغ في رؤية فنان غير لبنانيّ لحيّ صغير من بيروت، يختصر بتفاصيله القليلة جوهر المدينة المعقّد. اختار لويس أحد أحياء شارع الحمراء لتصوير فيلمه بين فندق نابليون وفندق مايفلاور. بشاعريّة وخفّة عالية، ينقلنا لويس بكاميرته من قلب الشارع، صعوداً نحو فندق نابليون. تحلق الكاميرا في الهواء، لتظهر لمحة بانورامية لشارع الحمراء، ثم تعود لتقطع الشارع متجهة إلى سطح فندق مايفلاور. تدخل بخفة إلى منطقة حوض السباحة، حيث تنطفئ الصورة على امرأة تقطع الحوض الذي لا يتعدى ثلاثة أمتار، سباحةً ذهاباً وإياباً. في فيلم لويس، بيروت العمران، والهواء والماء. غزو لمساحة ليست بخاصة ولا بعامة، مساحة الفنادق، يرى فيها صورة مجازيّة لحقبتين تاريخيّتين: «استعمار المهاجرين البريطانيّين لأميركا وغزو نابليون أوروبا»، ونحن نرى فيها إيقاع بيروت، المدينة المستباحة.
معرض «تجربة بيروت» يسلط الضوء على نظرة 10 فنانين إلى العاصمة اللبنانيّة والمنطقة. بعضها شابته سطحيّة ونمطيّة في المقاربة قد تعود إلى قصر الوقت الذي أمضاه هؤلاء في بيروت، لكن بعضها الآخر يقدم أعمالاً مثيرة جداً، تستحقّ التوقف عندها لمشاهدة بيروت في عيون مختلفة ومعاصرة.




The Beirut Experience: حتى 19 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ «مركز بيروت للفن» (جسر الواطي). للاستعلام: 01/553604