دمشق | منذ انطلاقها، لم تشهد الدراما السورية أزمة شبيهة بتلك التي تمر بها هذه الأيام. يتنبأ معظم العاملين في صناعة الدراما بموسم بطالة بدأت تظهر علاماته بوضوح. في جولة بسيطة على بعض المقاهي الدمشقية، نصادف عدداً كبيراً من صنّاع هذه الدراما، الذين يقضون أوقاتهم مترقبين مصير الصناعة الأكثر رواجاً، التي ارتهنت بمعظمها لرأس المال وسوق العرض الخليجيين، فتحكّمت الظروف السياسية في فرص الإنتاج والتسويق. لكن ما الذي يجعل الوسط الفني السوري يدخل حالة ترقّب طويلة، رغم أن بعض شركات الإنتاج كانت تعلن سابقاً مشاريعها المقبلة قبل نهاية رمضان؟ هل أسهمت الظروف السياسية ووقوف عدد كبير من نجوم الدراما السورية الى جانب النظام في مقاطعة المحطات للدراما السورية؟ وما الحل لإنقاذ الموقف وإعادة صنّاع الدراما إلى مواقع التصوير التي طالت مغادرتهم لها؟


أسئلة طرحتها «الأخبار» على أكثر من شركة إنتاج سورية خاصة لتعود بإجابات متشابهة: سوريا بألف خير. سندخل التصوير قريباً، لكن لا نستطيع الإفصاح عن التفاصيل. علماً أننا حذرون من مقاطعة المحطات لأعمالنا، لكنّ أحد أهم الفنيين الذين عملوا في الدراما السورية ينفي هذه المعلومة لـ «الأخبار». بعد أن يتحفظ على ذكر اسمه، يقول إنّ «قصة المقاطعة لأسباب سياسية كذبة روّجها بعض القائمين على صناعة المسلسلات السورية». وعن حقيقة ما يحصل حالياً وسبب تأخر دوران عجلة الدراما، يضيف: «الدراما السورية تواجه صعوبة في التسويق منذ ثلاث سنوات بسبب تراجع مستوى هذه المسلسلات، وتكرارها الأفكار نفسها، وتقليد بعضها بعضاً على نحو عشوائي، إضافة إلى دخول بعض المنتجين في بازارات رخيصة وبيع أعمالهم الرديئة بسعر زهيد لمحطات عدة. ما يؤذي بقية الأعمال المشغولة بحرفية وشروط ممتازة».
من جانب آخر، يقول المخرج فراس دهني مدير «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني» لـ«الأخبار»: «هناك حالة انتظار عند مجموعة من المنتجين الذين كانوا يتسلمون زمام المبادرة في السنوات الماضية، وهي للأسف طالت أكثر من السنوات السابقة بسبب الأوضاع السياسية، إضافة إلى ضعف التسويق. والسبب الثاني أخطر على اعتبار أن ضعف التسويق يلغي وجود هذا المنتج».
من هنا جاء تخطيط القطاع العام الحكومي ليملأ فراغ هذا الترقب من خلال أعمال عدة هي «أنت هنا» لشادي دويعر وعلي ديوب، و«المفتاح» لخالد خليفة وهشام شربتجي، عن فكرة للنجم باسم ياخور. أما «المصابيح الزرق»، الذي يحمل طابعاً وطنياً، والمقتبس عن رواية حنا مينة بالعنوان نفسه، فينطلق تصويره بعد تغيير بسيط في فريق العمل الذي اختير قبلاً. هذا إضافة إلى مجموعة أفلام تلفزيونية قصيرة، أولها «نخاع» لعلي وجيه ووسيم السيد. يشرح دهني: «بسبب حجم العمل الكبير، لا أستطيع التفرغ لحالة المخرج الحر، لكن رهاني على إنتاجات المؤسسة المهمة هذا الموسم، إضافة إلى شراكاتنا مع القطاع الخاص التي يفترض أنّها ستبدأ فعلياً في المستقبل القريب. على أمل أن يعيد هذا التعاون الألق إلى الدراما السورية، وينتشلها من حالة الركود والانتظار الذي دخلته حالياً».
لكن ماذا عن التسويق للمحطات العربية الذي يعجز عنه القطاع العام منذ زمن طويل؟ يجيب المخرج السوري: «لنكن واقعيين ونقُل كفانا انتظاراً بأن يشتري الغير أعمالنا المطلوبة جماهيرياً، والمشغولة بحرفية عالية التي تجسد آمال وطموحات كتابها ومخرجيها. المطلوب إنشاء فضائيات سورية لتحرير صناعتنا من تحكّم سوق الفضائيات العربية فيها».
لكنّ مزاج الجمهور العربي الذي تأثر بالتحولات الأخيرة، يمثل عاملاً مهماً في عملية طلب الفضائيات للدراما، بحسب المخرج سامر برقاوي، الذي يقول لـ «الأخبار»: «علينا تحديد موقفنا كصنّاع دراما سورية من هذه الأزمات التي تجتاح العالم العربي. لا يمكننا أن نقدم عملاً اجتماعياً معاصراً من دون أخذ موقف من الأزمة، لأنّ العمل سيخرج سطحياً على نحو غير مبرر. على الدراما التعاطي الحقيقي مع الأزمة».
هكذا يبدو أن الدراما السورية مطالبة اليوم بتقديم واقعها الجديد، الذي تكوّن نتيجة الظروف السياسية الطارئة، لكن برقاوي يؤكد أنّ كتّاب الدراما يحاولون اليوم طرح واقع بعيد عن الأزمة «وهذا لن ينطلي على المشاهد، الذي يطلب الصدقية والشفافية، وسيكتشف على الفور أنّ هذه الأعمال تبغي الهروب والابتعاد عن الصدامية مع واقع جديد».
وسط سيناريو التراجع الذي تشهده الدراما السورية منذ سنوات، ومواجهتها موسماً يرجّح المراقبون بأنّه سيكون الأسوأ لها، على الأقل من حيث عدد الأعمال المنتجة، ما زالت بعض الشركات تنوي إنجاز أعمالها مع محطات خليجية أو بمفردها. إذ أعلنت شركة «كلاكيت» نيتها إنجاز جزء ثان من مسلسل «الولادة من الخاصرة» سيكون غالباً لمصلحة محطة «أبو ظبي». فيما يصرّح المنتج عماد ضحية (بانة) لـ«الأخبار» أنّ شركته تستعدّ لإنجاز عمل اجتماعي. أما «سوريا الدولية»، فأعلنت مصادر لـ «الأخبار» نيتها إنجاز عدد كبير من المسلسلات، أولها «سيت كاز» للمخرج زهير قنوع وبطولة أيمن رضا، فيما يتولى المثنى صبح إخراج «سكر مالح»، من كتابة وبطولة أمل عرفة، إضافة إلى «لو تعرفوا» الذي يتناول سيرة أصالة نصري. ويتوقع أن يتولى إخراجه سيف الدين سبيعي، فيما تعدّ «قنبض» عملين، أحدهما نوعه بيئة شامية للكاتب أحمد حامد.