دمشق | من الصعب حقاً التمييز بين الشقيقين التوأم أحمد ومحمد ملص (1983) إلا عندما يخاطب أحدهما الآخر باسمه أمامك. هذا التطابق شبه التام في الشكل والملامح، رافقه أيضاً تلاق في الأفكار والطموحات والأحلام التي وجدت مكانها في المسرح، كتابة وتمثيلاً. بعدما يئس الثنائي من البيروقراطية والروتين المعشّشين في المؤسسة الرسمية في سوريا، حوّلا غرفة في منزل العائلة إلى محترف مسرحي شهد تقديم مجمل تجاربهما، فصار الأمر ظاهرة ثقافيّة في دمشق، ولاقى «مسرح الغرفة» تجاوباً وإقبالاً من جمهور بدأ يتجاوز الدوائر الضيّقة للنخبة. لكلّ تجربة إبداعية بداية، تحددها لحظة غير متوقعة، ربما تغيّر مصير صاحبها إلى الأبد. في العام 1997، شاهد الأخوان ملص مسرحية ألكسي أربوزوف (١٩٠٨ ـــ ١٩٨٦) «عزيزي مارا المسكين» التي أخرجها في ذلك الوقت حاتم علي. «لم نكن قد تجاوزنا الرابعة عشرة. كان المشهد الرومانسي الذي جمع رامي حنا وزينة حلاق كافياً لجعلنا نتخذ قرار احتراف التمثيل.


مع أننا جلسنا في مكانين مختلفين نتابع العرض نفسه، إلا أنّنا خرجنا في نهايته بالقرار نفسه» يقول أحمد لـ«الأخبار».
تجاوزا ثلاث محاولات فاشلة لدخول «المعهد العالي للفنون المسرحية» الذي يُعدّ الأكاديمية الدرامية الرسمية الوحيدة في سوريا: «هذا الرفض المتكرر زاد من إصرارنا على دراسة التمثيل واحترافه». وبعد ورشة عمل مسرحية في العام 2004 بإشراف المخرج العراقي باسم قهار، عمل محمد وأحمد مع مخرجين مسرحيين محترفين في معاهد درامية خاصة، أمثال ياسر عبد اللطيف، ونائلة الأطرش، وأمل عمران وغيرهم.
«الدورات الثلاث التي عملنا فيها تحت إشراف نائلة الأطرش، كانت نقلة نوعية حقيقية في علاقتنا مع فن التمثيل وفهمنا للمسرح» محاولات عدة لجأ إليها الثنائي من أجل الحصول على فرصة تقديم عرض مسرحي، بشروط صحيحة. لكنّ جميع المشاريع التي قدمت لإدارة المسرح القومي في دمشق، لم تلق قبولاً ولا تجاوباً: «وجدنا ضالتنا أخيراً في غرفتنا الضيقة التي تحولت إلى خشبة المسرح والصالة والكواليس في الوقت نفسه. لم نكترث بتحذيرات الأصدقاء من إمكان فشل التجربة. عملنا على تقديم عرض مسرحي قصير لم تتجاوز مدته 15 دقيقة فقط حمل عنوان «ميلودراما» حقق نجاحاً وحضوراً طيباً. وقد أكد ذلك استمرار عرض المسرحية 122 مرة، بدلاً من العروض العشرة التي كانت مقرّرة. وقد أهّلتنا هذه المسرحية للفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في «مهرجان المسرح الحرّ» في عمان».
تطورت التجربة بفضل التعاون مع بعض الممثلين الهواة والأصدقاء، وصولاً إلى إطلاق تظاهرة «مسرح الغرفة» التي ضمت ستة عروض قصيرة بنيت على مبدأ الثنائيات. قبل بداية الاحتجاجات الشعبية في سوريا، قدم التوأم عرضهما الجديد «كل عار وأنت بخير». وفي محاولتهما التغلب على الامكانات البسيطة المتاحة في غرفتهما الضيقة «تنقلنا بعرضنا بين مختلف زوايا الغرفة. في كل مرة كنا نرى العرض بطريقة مختلفة. قدمنا 25 عرضاً متواصلاً. توقفنا عند بداية الأحداث السورية التي حفزتنا على تقديم عمل جديد، يحكي عن الأحداث». طاول التقشف مختلف عناصر العرض. كان خياراً أكثر مما هو حلّ إخراجي فني، لكنّه صار يرسم الخطوط الأساسية لكل عرض أو تجربة مسرحية جديدة، يحاول التوأم ملص تقديمها «عند تقديمنا عروضنا على مسارح كبيرة، كنا نرسم على الخشبة مربعاً بمساحة صغيرة ومحددة، لا نخرج عنها لدى تقديمنا العرض. هناك من أطلق على هذا المربع اسم «المربع السحري» تيمناً بالبساط السحري للمخرج البريطاني العالمي بيتر بروك». في مجمل عروضهما المسرحية، يعتمد محمد وأحمد ملص على مبدأ الثنائيات المسرحية المتناقضة سواء في الأفكار أو بناء الشخصيات أو أسلوب التقديم «نحاول دائماً توظيف التشابه الجسدي الكبير بيننا، بطريقة إيجابية لتأكيد الأفكار والطروحات والمعالجات الدرامية التي نقدمها».
الاحتجاجات الشعبية والمشاهد الدموية التي تابعها الشقيقان التوأم على الشاشات والفضائيات، كانت حافزاً لهما على كتابة وتقديم عرض مسرحي جديد حمل عنوان «الثورة غداً تؤجل إلى البارحة» الذي توقعا له أن يثير غضب الأجهزة الأمنية السورية، لما يحمله من انتقادات لاذعة لممارساتها الوحشية «يمكننا اعتبار أن مشهد أحمد البياسة ورفاقه في مدينة البيضا، والاسلوب اللا إنساني والإجرامي الذي عاملهم به عناصر الأمن، كان المحفز الأكبر على تقديم «الثورة غداً تؤجّل إلى البارحة»».
هذه التجربة شجعتهما على كتابة مشاهد مسرحية يومياً بهدف مواكبة الحدث مثل تجربة المسرحي الإيطالي داريو فو وزوجته فرانكا راميه «لكنّ ذلك تطلّب جهداً كبيراً لأننا نركّز على كتابة النص، فيما الاحتجاجات السورية كانت ولا تزال تتسارع بحيث لم نتمكن من اللحاق بها، وتقديمها عبر مشاهد مسرحية». شارك الثنائي في تظاهرة المثقفين السوريين التي أقيمت في دمشق خلال شهر حزيران (يونيو) الماضي، وتعرضا للاعتقال مع رفاقهما. ومن المفارقات المضحكة المبكية أنّهما قدّما في المعتقل عرضاً مسرحياً حمل عنوان «ممثلان في ظل الثورة». لقد «قدّمنا العرض مرتين في المعتقل. كانت تجربة استثنائية، أن تستطيع اضحاك السجان على نفسه وعلى الحال التي وصلنا إليها. يمكن أن نعدّ هذا العرض من أهم إنجازاتنا التي يصعب أن تتكرر بحقّ».
آخر التجارب المسرحية التي خرجت من رحم المعتقلات السورية، قدّمها التوأم في مدن وعواصم عالمية عدة «قدمنا هذا العرض في موسكو. عندها خرجت ثلاث تظاهرات في الوقت نفسه من صالة المسرح. ربما كان هذا أسرع رد فعل يمكن أن يتلقاه الممثل وهو ما زال على خشبة المسرح». تقوم فكرة العرض على إعادة صياغة لأولى التجارب المسرحية التي قدّماها «العلاقة هي ذاتها بين شخصيتيّ عرض «ميلودراما»، و«ممثلان في ظل الثورة» لكن مع تغيير في الفرضية والتوقيت والحدث عندما جعلنا الجيش السوري يحاصر «مسرح الغرفة» وتبدأ بعدها المفارقات». من أصعب اللحظات التي عاشها الأخوان ملص في حياتهما، الحملة على «مسرح دوار الشمس» في بيروت، حيث جاء الثنائي للمشاركة في تظاهرة تضامن مع الانتفاضة السوريّة («الأخبار»، ١٣ و١٤/ ٩/ ٢٠١١): «كانت لحظات غريبة حقّاً، اقيمت الأمسية، وكانت بعنوان «... لسوريا»، في حماية الجيش وقوى الأمن اللبنانيين. الموقف كان يختصر حالة الخلاف والانقسام التي بلغناها، واستدرجنا إليها معنا إخواننا اللبنانيين».
في الآونة الأخيرة، بات صعباً الاتصال بالتوأم ملص. بدا الأمر وكأنه يتعلق بالتهديدات التي تصلهما، وشهدنا بعضها على هاتفهما الخلوي وصفحتهما على فايسبوك. «لم تهدأ التهديدات منذ مشاركتنا في تظاهرة المثقفين» يقول التوأم. وعن مشاريعهما، يقولان «هناك الكثير من الأفكار تدور تقريباً حول الأحداث السورية. نعمل حالياً على اختيار ما يصلح منها لتحويله إلى عرض مسرحي، أو مجموعة اسكتشات مشابهة لـ«كل عار وأنت بخير»»