مساء الاثنين المقبل (التاسعة مساءً)، تشهد بيروت موعداً ترقّبه لسنوات جمهور الأغنية الفرنسية الشعبية الجادّة وغير التجارية في لبنان. فبعد غياب أخبارها وانحسار نشاطها في السنوات الأخيرة، تعود فرقة Paris Combo إلى دائرة الضوء في فرنسا وخارجها، إذ تقوم بجولة واسعة لتقدّم العديد من الحفلات، وتعرّج خلالها على العاصمة اللبنانية لليلة واحدة.


وصلت الفرقة إلى أوج مجدها بين أواخر تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية. ألبومها الأخير Motifs صدر عام 2004، وبعده انكفأت عن الساحة الفنية. هذا إذا استثنينا الألبوم الوحيد الذي أصدره عضوان من الفرقة (المغنية وعازف الترومبت) على نحو مستقلّ عام 2009. في جولتها العالمية هذه، تعوِّل «باري كومبو» على رصيدها الأوّل، أيّ الأغنيات التي شاعت من ريبرتوارها، لكنّها تمهِّد أيضاً لألبومها الجديد المتوقّع صدوره في 2012. يتألف برنامج الحفلة إذاً من قديم الفرقة في شقه الحنيني، ومن مفاجآت لم يسمعها الجمهور من قبل.

دعوة هذه الفرقة إلى لبنان، بما تمثّل من توجّه فنيّ جاد (شبابي)، كان من المفترض أن تأتي من جانب Cabaret du Monde، الجهة التنظيمية التي عودتنا الأمسيات الخاصة بالفرق والفنانين الفرنسيين من أصحاب التجارب الجديرة بالاهتمام. غير أن «باري كومبو» التي تحيي حفلتها في المكان المتوقّع «ميوزكهول»، دعتها صحيفة «لوريان لوجور» بالتعاون مع «المركز الفرنسي في لبنان». والحفلة من تنظيم كريم غطّاس (ليبان جاز) وميشال ألفتريادِس. أما الـ«كاباريه» فيغيب عن الحدث بعدما نظّم في الآونة الأخيرة ــــ على غير عادته ــــ مواعيد لفنانين فرنسيين من رموز الأغنية التجارية الخفيفة. مع ذلك، نتذكّر بامتنان رصيده الكبير من الأمسيات الفرنسية الجميلة التي نظّمها في السنوات الأخيرة (توما فرسن، Têtes Raides، يان تييرسن..).
أعمال «باري كومبو» معروفة في لبنان. لكن بالنسبة إلى الجزء الآخر من الجمهور الذي لا يعرف الفرقة ــــ خصوصاً أنها غيّبت نفسها طويلاً ــــ فستكون فرصة ثمينة للتعرّف إليها والاستمتاع بأغانيها البسيطة، والجميلة، والمشغولة بمهنية، والخالية من أي ادّعاء.
تأسّست الفرقة في باريس عام 1995، وضمّت خمسة فنانين، ثلاثة فرنسيين إضافةً إلى بنغالي وأوسترالي. أصدرت بين 1997 و2004 أربعة ألبومات (تسجيل استوديو)، لاقت رواجاً كبيراً، وخاصة Living-Room وAttraction. أما تركيبتها فطالها تعديل طفيف، إذ رافقها عازف الكونترباص مانو رازنجاتو بين 1995 و2005، لكنّه غاب عنها في انطلاقتها الثانية، وحلّ محلّه إمانويل شابيه.
لم تكن نصوص «باري كومبو» ما حجز لها مكاناً مرموقاً في أوساط الجمهور غير المنساق وراء الموجة التجارية (الفرنسية وغيرها). فما تعالجه من مواضيع اجتماعية وحياتية وغيرها، لا يميّزها كثيراً عن تاريخ الأغنية الفرنسية أو نتاجها المعاصر. لكن مكمن القوّة في تجربة «باري كومبو» هو في الموسيقى لحناً وإعداداً وتنفيذاً وتنوّعاً في المصادر. على مستوى العمود الفقري للأغنية، نقع غالباً على ألحان بسيطة، ممتعة، وسلِسة كالماء العذب، مطعّمة أحياناً بالروح اللاتينية أو الغجرية الأوروبية أو حتى الشرقية نغماً (مغاربي) وآلات (الطبلة). لناحية الإعداد والمرافقة الموسيقية، تظهر الفرقة شغفاً ثقافياً بالجاز، وخاصة اللون المعروف باسم «مانوش» (الجاز الغجري)، والسوينغ. فعازف الغيتار الملقّب بـ«بوتزي» (Potzi)، والذي يؤدي دوراً محورياً في المرافقة الموسيقية والارتجالات، يبدو شديد التأثر بالراحل الكبير، عازف الغيتار الغجري دجانغو راينهارت، لا في أسلوب العزف والحسّ الفني فحسب، بل بالـ«لوك» أيضاً (الشاربيْن مثلاً).
مَيْل أعضاء الفرقة إلى الجاز ينعكس أيضاً في ارتجالات كلاسيكية، لا تخرج عن المألوف، لكنّها تأتي دائماً في المكان الصحيح وتحجَز لها المساحة المختصرة المناسبة للأغنية الشعبية. أضف إلى ذلك الجمل والفواصل القصيرة المشغولة بإتقان لتأمين دعائم هامشية ذات قيمة لمن يقدّر هذه الإضافات على اللحن الأساسي، والمرافقة الموسيقية البديهية. في الخلاصة، تجمع هذه الفرقة في مشروعها الفني الغنائي، لناحية الموسيقى، الفولك الأوروبي، والجاز الكلاسيكي، والموسيقى اللاتينية وغيرها من النكهات ذات الحضور العابر والظرفي.
تأتي إذاً حفلة «باري كومبو» في خضم الجو الفرنكوفوني الذي تعيشه العاصمة اللبنانية، إذ تتزامن مع «معرض الكتاب الفرنكوفوني في بيروت»، كما جرت العادة في السنوات الماضية، وخصوصاً قبل 2006. لكن، كما أشرنا في السابق، كنا ننتظر زيارة Zaz، صاحبة الأولويّة في ضيافة بيروت، ضمن إطار الأغنية الفرنسية المعاصرة. فهل يعاود «كاباريه دو موند» نشاطه وينظّم حفلة للفنانة الشابة أو لزميلتها إميلي لوازو؟ في انتظار ذلك، تعرفون طريق الـ«ميوزكهول»...




Paris Combo: ٩:٠٠ مساء الاثنين 31 تشرين الأول (أكتوبر) ـــ «ميوزكهول» (ستاركو/ بيروت). للاستعلام: 01/999666
8:00 مساء غد ـــ لقاء مع زوّار «معرض الكتاب الفرنكوفوني» (بيال).