تعود شهرة هبة القوّاس في لبنان والعالم العربي، إلى تاريخ صدور ألبومها «أغنّيكَ حبيبي» (1996) الذي يحوي عشر محطّات غنائية وموسيقية. ليست الأسطوانة المذكورة وحدها ما أكسبها شهرة واسعة، بل بروزها في المشهد الموسيقي العربي بوصفها مغنّية أوبرالية، وعازفة بيانو، ومؤلّفة موسيقية، وقائدة أوركسترا. عرفت هبة كيف تروّج لمشروعها منذ بداياتها، فيما تعثّر موسيقيون يضاهونها أهمّيةً. يُضاف إلى أسباب شهرتها تنغيمها قصائد لشعراء معروفين، مع العلم بأنّ العلاقة بين الغناء الأوبرالي الحديث والشعر العربي تُعدّ إشكالية بسبب خصائص اللغة والنطق العربيين اللذين يصطدمان أحياناً بقواعد الغناء الأوبرالي.


رغم الملاحظات التي يمكن تسجيلها على أدائها وتجربتها، لا بدّ من الاعتراف بأنّ القوّاس مهّدت لتجارب مشابهة على المستوى المحلّي، تولّدت منها حساسية غنائية وموسيقية جديدة نسبياً. الفنّانة الشابة التي رافقت التينور الإسباني خوسيه كاريراس غناءً، التقطت المهمل في الموسيقى العربية المعاصرة، وسعت إلى إبرازه بلغة موسيقية غير مألوفة، سابحةً في فضاء يتجاور فيه التجريبي (بالمعنى الواسع للكلمة) و«الكلاسيكي» والعربي. بعض أغنياتها التي ارتكزت على الدمج لم تكن مقنعة (أغنية «بِدْيِتْ الحكاية» مثلاً)، إن لناحية الرؤية والأسلوب التأليفيين أو التوزيع. مع ذلك، لم تنزلق القوّاس إلى مطبّ الهجانة.
في ألبومها الجديد «لأنّي أحيا»، تحقّق هبة تقدّماً على أكثر من صعيد. الأسطوانة التي تضمّ سبع أغنيات ومحطّتين موسيقيّتين، لا تحمل جديداً، لكنّها تتميّز بالبساطة والتركيب معاً، وتجمع بين الصوفي والروحاني والدنيوي. في أغنية «لأنّي أحيا» (شعر ندى الحاج)، نعثر على أخطاء في اللفظ والأداء كان يمكن هبة أن تتفاداها؛ في كلمة «سماء» وفعل «أحيا»، تبدو الألف كأنّها A بالفرنسية، ما يستوجب التخفّف من صرامة قواعد الغناء الكلاسيكي الغربي. من ناحية أخرى، تبدو القوّاس كأنّها تؤدّي تمارين «فوكاليز» في الآهات التي تتخلّل الأغنية، وكان يمكن أن تستغني عنها أو تحبكها على الأقلّ.
أمّا أغنية «تبقى لي» (أنسي الحاج)، فتلامس مناطق لحنية أكثر غرابة وجِدّة، وتستند إلى بنية تأليفية متينة تمدّ النصّ الشعري ببعد درامي. تزاوج بين الرومنطيقية وما بعدها، والموسيقى الشرقية والمعاصرة، مقارِبةً نصّ أنسي الحاج أوركسترالياً بأسلوب مغاير يتميّز بالانسيابية. لا تعتمد أسلوباً يقوم على التفجّر الأوركسترالي ـــــ إلّا لماماً ـــ بل تميل إلى أسلوب لا يخلو من السلاسة والرقّة والوله، ونوع من التصاعد الخفيف المكسوّ ببطانة نغمية مخملية. هكذا، تنجح المؤلّفة في مقاربة نصّ الحاج موسيقياً عبر التوظيف الآلاتي والصوتي والجَرْسي. وتنمّ أغنية «أسرى بقلبي» (عبد العزيز خوجة) عن ضعف في بعض تقنيّات الغناء الشرقي، وبساطة لا تحجبها ضخامة الأوركسترا. أما في «يا نسيم الريح» (الحلاج)، فنقع على ثغرة في النطق، مردّها على الأرجح إلى مقتضيات أوبرالية، فيما يبرز دور العود (أندريه الحاج) عزفاً لا كتابة؛ إذ إنّ الخطّ اللحني لا يمثّل إضافة حقيقية إلى الكتابة الموسيقية للعود، بل يسهم في تنميق الأغنية وتلوينها. أمّا لحن أغنية «يدكَ»، فهو غير مختمر، ويفتقر إلى أسلوبية تدهش المستمع المتطلّب، فيما تبدو «نجوم الدني بعينيك» (ندى الحاج) أكثر خفّةً وعذوبة، علماً بأنّ مقدّمتها مقتبسة من «أنا لك على طول» لعبد الحليم (ألحان محمّد عبد الوهاب).
لا يخلو صوت هبة من سطوة ما، لكنّها غالباً ما تكون عابرة. نشعر بأنّ ثمّة تفاوتاً في أدائها الذي يبهرك حيناً ويبدو عاديّاً حيناً آخر. الأمر نفسه ينسحب على أغنياتها، والأجزاء التي تتألّف منها أغاني ألبومها الأخير، وخصوصاً (باستثناء «تبقى لي»). لا تحفر المؤلّفة آباراً عميقة في التأليف الآلاتي العربي، لكنّها تتفنّن في التوزيع (محطّة «يدكَ»). العمل الذي أسهمت في تنفيذه الأوركسترا السمفونية الوطنية الأوكرانية يُعدّ ناجحاً في ظلّ صعود موجة الفنّ التجاري، وإن لم يكن يمثّل انعطافة نوعية في الأغنية اللبنانية والعربية.