صارت العودة إلى كارل ماركس (1818 ــ 1883) هذه الأيام أمراً لا بدّ منه لكثيرين، وخصوصاً بعد الأزمة المالية التي تضرب العالم، واضعةً الرأسماليّة مجدداً على محك النقد. منذ انهيار «ليمان براذرز» في أيلول (سبتمبر) 2008، عادت نظريّات المفكّر الألماني إلى الواجهة بعد سنوات من القطيعة، لمحاولة فهم مسببات الخلل في النظام الرأسمالي، على وقع الغضب الشعبي الذي بدأه «الساخطون» في اليونان وإسبانيا، وصولاً إلى وول ستريت. وجاءت النتيجة: «كارل ماركس كان محقاً بصورة جزئية»، كما أقرّ مفكّرون وعلماء اقتصاد في الفترة الأخيرة.


أن يشغل ماركس الدوائر السياسية والاقتصادية المستقلة مجدداً أمر مهم، لكن تداول اسمه مرتبط بصورة رئيسية بنظرياته، فمن هو هذا الرجل الذي عاد يملأ الدنيا ويشغل الناس؟ في السيرة التي صدرت أخيراً في لندن بعنوان «الحب ورأس المال: كارل وجيني ماركس وولادة ثورة»، تحاول ماري غابرييل أن تجيب على طريقتها، عن هذا السؤال. الكتاب (دار «ليتل براون آند كومباني»، هاشيت غروب)، يستعيد حياة الفيلسوف الألماني العظيم، ويروي سيرة ماركس طالباً وصحافياً ومفكراً وربّ عائلة.
في مقدمتها، تخبرنا الصحافيّة والكاتبة البريطانيّة أنّها وقعت للمرة الأولى على سيرة عائلة ماركس، على الغلاف الخلفي لإحدى المجلّات اللندنيّة. أصابتها الصدمة حين علمت أنّ اثنتين من بنات ماركس أنهتا حياتهما انتحاراً. وانتبهت فجأة أنّها لا تعرف شيئاً عن حياة ماركس الخاصة.
هكذا، بدأت غابرييل عام 2003 بحثها عن سيرة ماركس الشخصية، في محاولة منها لإعادة بناء حكاية عائلته، ورحلتها الثورية. وقعت على آلاف الرسائل الشخصية المؤرشفة في أربعة بلدان، تبادلتها عائلة ماركس مع المقربين منها على مدار ستة عقود. القراءة المتأنية المرتبة لهذه الرسائل، جعلت «الشخصيات تتكلم»، بحسب غابرييل. ومن هنا ينبع التناقض بين ما رأته في ماركس الأسطورة، وماركس الرجل، وخصوصاً أنّ سيرة حياته تعرضت لبعض التحويرات. مثلاً، تتطرّق إلى قصة هيلين ديموث، مربية العائلة التي أقام ماركس علاقة معها، وأنجب منها ابنه فريديرك. اللافت أنّ كلّ المراسلات حول هذه الصفحة من حياة ماركس، دفنت في الأرشيف بأمر من ستالين، على اعتبار أنّ الأمر لم يتعدَّ كونه مجرّد علاقة عابرة.
الكتاب مقسم إلى سبعة أجزاء. وفي بدايته، تأخذنا المؤلّفة إلى مدينة ترير الألمانية عام 1835، حيث نتعرف إلى البارونة جيني فون فيستفالين، زوجة ماركس المستقبلية. ننتقل بعدها إلى برلين عام 1838، حين كان كارل الشاب في سنته الجامعيّة الأولى، وانضمّ إلى جماعة الهيغيليين. ومن هناك نذهب إلى كولونيا، وبعدها إلى كريزناخ، ثمّ إلى محطته الباريسية المفصليّة عام 1843. مرحلة طبعها الهرب من أحكام السجن، والكتابات في الصحافة الثورية، والالتقاء بإنغلز لاحقاً، وصولاً إلى بروكسيل ثمّ الاستقرار في لندن.
يتميّز «الحب ورأس المال» بكمّ هائل من المعلومات، نجحت غابرييل في تدوينها، بعد تتبعها رحلة ماركس وعائلته بين مدينة وأخرى. تنقل الكثير من صفاتهم الشخصية، وهواياتهم، وعاداتهم، بقراءة درامية سلسة. ومن هنا تنبع أهميّة هذه النظرة المقربة إلى عائلة كانت الثورة والعدالة الإنسانية همها، وكانت نظريات ماركس وكتاباته مصدر دخلها الوحيد. نكتشف أنّ ماركس كان سكيراً في سنته الجامعية الأولى، ودكتاتوراً في نقاشاته السياسية في الحانات والمقاهي، عبقرياً باعتراف من عرفوه، وزوجاً محباً، وأباً حنوناً. نكتشف أنّه عانى الكثير في سنواته الأخيرة، وخصوصاً أنّ الجزء الأول من كتابه «رأس المال»، لم يلقَ الصدى الذي كان يأمله. ذاك الثوري الفقير الذي غيّر العالم، كان في جنازته 11 شخصاً فقط.
منذ صدوره في أيلول (سبتمبر) الماضي، أجّج «الحب ورأس المال» الجدل القديم حول جدوى هذه النظرة الحميمة إلى حياة ماركس، وأهمية الربط بين حياة الرجل الشخصية وعمله. الكتاب مرشح حالياً لنيل «جائزة الكتاب القومي الأميركي»... في انتظار أن ينبعث الرفيق كارل على الشاشة في نسخة هوليوود رديئة!