الدار البيضاء | قديمة هي تلك النقاشات التي أثارتها ولا تزال تثيرها مسألة الهوية: هل تتحدد هوية الفرد من خلال انتمائه إلى مجتمع معين، أو استعماله للغة ما، أم من خلال تدينه و ثقافته...؟

يرتبط الوضع الهوّوي في عالم اليوم بمتغيرات شتى، أسهمت العولمة الرأسمالية في كثير منها. وأمام زحف الثقافة الأحاديّة: ثقافة الاستهلاك وتعميم أنماط ثقافيّة معينة على المعمورة، تولدت في أوروبا نزعة مناهضة الأمركة.

ولا تعني الأمركة هنا بالأساس مجرد الثقافة الاستهلاكيّة، لأن لأوروبا حضها هي أيضا من تعميم النزعة الاستهلاكيّة، بل تشمل إلى جانبها اللغة، وهكذا سارعت فرنسا إلى توطيد العلاقات من جديد مع عالمها الفرونكفوني والمتمثل في المستعمرات السابقة، وعززت المملكة الاسبانيّة من دور لغتها الرسميّة في امريكا الجنوبيّة وغيرها من "الدول الشقيقة".
أما حالنا في العالم العربي فلا يزال عما هو عليه، لأن اللغة العربية بعد عقود من الاستقلال لم تستطع بناء صرح حضاري متكامل يسهم في تشكل هويّة واضحة المعالم، منسجمة ومتناغمة مع روح العصر، بل إن المجتمعات العربيّة تبدو كجزر معزولة عن بعضها البعض، لا تكاد تجتمع إلا على الاسم.
ساهمت العروبة في ضخ دماء جديدة في شرايين العرب بعد الحرب العالمية الثانية، مباشرة بعد خروجهم من أزمة اللّقاء بالغرب. وساهمت هزيمة 67 في تدعيم الثقافة القوميّة وحضورها في الحراك الداخلي العربي، بالنظر الى محوريّة القضيّة الفلسطينيّة التي وحدت تلك الشعوب على شعارات التضامن والتآزر والدعم "المقرّط".
عديدة هي العوامل التي أدت الى خفوت الخطاب القومي بوجهيه: الليبرالي واليساري؛ غير أن الانتشار الواسع للخطاب الديني والذي ساهم في إحيائه خطاب الاصلاحيّة العربيّة المبكر، ينذر بطغيان حضور الدين في التحديد الهوّوي بدل حضور اللّغة أو الثقافة... كما ساهم ظهور أقليات لغويّة وثقافيّة في البلدان العربيّة (والتي ناضلت من أجل اعادة الاعتبار لها كمكوّن لا غنى عنه بحكم التاريخ) في طغيان خطاب الدين وصعوده.
من الطبيعي جدا أن تنامي خطاب الأصوليّة الدينيّة ما هو إلا رد فعل مباشر على حجم تحدي ورهان العولمة الرأسماليّة التي لا نستطيع الفكاك منها بين عشية وضحاها، خاصة ونحن نشاهد يوماً عن يوم مجموع التغيرات التي تلحق منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا والخليج العربي والتي فتحت بابها نحو المجهول: فهل يمكن أن نجد تفسيراَ موضوعياَ لولادة داعش وانتشارها وتسلحها بهذا الشكل؟ من يقف وراء الدعاية الهائلة لداعش؟
عديدة هي الأسئلة التي يطرحها الرأي العام العربي حول مشروع داعش التدميري، ولكننا سنركز تحديداً على واحد منها حسِبناه مشروعاً وملحاً: هل يمكن أن تكون داعش نموذجاً تقتذي الحركات الاصوليّة حذوه؟
من المؤكد أن بذور العنف توجد في كل خطاب وثوقي وذوغمائي، غير أن لزوميّة ومحايثة العنف لحركات الاسلام السياسي لا يجد مبرره في الأسُس العقديّة وحدها قدر ما هو خطة للتعامل مع العدو "المفترض"، وكما أن الإسلام يحتمل تأويلاً ذوغمائيّاًّ ووثوقيّاً، فهو يحتمل في المقابل تأويلاً عقلانياً، ولقد كان هذا المشروع الأخير محك التداول المعاصر في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة المتداولة عندنا.
تساهم الدِّعاية غير المسبوقة لداعش وحجم حضورها في الفضاء السيّاسي العربي في التعبئة لها لابراز الحاجة إليها، كما تساهم على نقيض ذلك في الطعن في أسس ممارستها من خلال الدعاية لما تقوم به من أعمال لا يتقبلها المتيقظ ولا المواطن البسيط الذي يسعى إلى أن ينعم بسلام دائم ومضمون.
تهدف الدعاية تلك إلى زرع الخوف في "الشعوب العربيّة" التي خرجت ربيع 2011 تهتف ضد الاستبداد والفساد، بتسويقها كوجه من أوجه الاحتمالات الممكنة في حالة المطالبة بالتغيير السيّاسي.
بعيداً عن السيناريوهات المحتملة سيّاسياً، نحسبُ أن مستقبل هذه الشعوب يلفه الغموض من كل جانب، مما يستوجب معه التساؤل: من يملك الحل القاطع بخصوص سؤال الهوية؟ هل يكفي تطبيق الشريعة - وهو أمر غير ممكن واقعياً – لتجنب سؤال الهوية في عالم التعدد والاختلاف؟ هل تصلح الأخلاق المستندة على تقليد ديني موروث لهوية جديدة يطبعها التغير باستمرار؟