القاهرة | دقات المسرح التقليدية الثلاث تعلن الاستعداد لبدء العرض، فيتهادى صوت الفنان يحيى الفخراني من خلف ستار المسرح القومي في القاهرة: «لن أطلب منكم حداداً، فالناس موتى، وأهل الحب أحياء». ثم تهدج صوته بالدموع، وواصل: «نهدي هذا العرض لإنسان طالما ملأ هذه الخشبة إبداعاً وفناً، لصديقي العزيز نور الشريف».


بأوبريت «ليلة من ألف ليلة» (إخراج محسن حلمي) التي انطلقت عروضها الخميس الماضي، عاد الفخراني إلى أعرق مسارح المحروسة، بعد غياب 13 عاماً، حين تألق في «الملك لير»، مع المخرج الراحل أحمد عبد الحليم. والأوبريت ريبرتوار لعرض قدمه الفخراني مع المخرج نفسه عام 1994، على مسرح «الجمهورية» العريق في القاهرة.
احتشد العرض بشخصيات عامة ومثقفين، طال حنينهم لأجواء المسرح القومي، منهم وزراء وإعلاميون، وفنانون كبار ممن بدأوا مسيرتهم على خشبته في الخمسينيات، وغاب المخرج عن العُرس لأزمة صحية شديدة مستمرة منذ أسابيع. وكان محسن حلمي قد وصف العمل في الكتيّب التعريفي للمسرحية بأنّه «قطعة نادرة من التراث لا تحتمل التأويل ويكفي أن صناعها هم صناع الطرب والشعر والموسيقى».


اعتمد العمل على الألحان
الأصلية نفسها التي وضعها الموسيقار الراحل أحمد صدقي

إذاً، العرض أوبريت نادر لـ«شاعر الشعب» بيرم التونسي (1893 – 1961)، قُدم أربع مرات على خشبة المسرح في القاهرة. الأولى عام 1931 في دار الأوبرا القديمة، والثانية في المسرح القومي عام 1958، والثالثة على خشبة «مسرح محمد فريد» عام 1972، والرابعة عام 1994 على «مسرح الجمهورية: التابع لدار الأوبرا المصرية من بطولة الفخراني أمام المطربين علي الحجار وأنغام.
تدور أحداث العمل في بغداد، حاضرة الخلافة الإسلامية. شحاتة (الفخراني) متسوّل، اختطف قاطع طريق زوجته، ليتركه مع طفلته الرضيعة وقتها. لكن شحاتة سيلتقيه بعد عشرين عاماً ليثأر منه، ومن ابنه الذي صار وزيراً للأمن، وطاغية يعيث في الأرض، يبتز شحاتة بابنته «نجف»، لإجباره على اغتيال الخليفة الشاب الجديد، الذي يريد وقف تسلط وزير والده على الرعية. وفي الخلفية قصة حب بين ابنة الشحاد والخليفة الشاب، من دون أن يعرف أيّ منهما طبيعة عمل الآخر. شاعر العامية المصري الأبرز استلهم مسرحيته هذه من أجواء «ألف ليلة وليلة»، طارحاً تيمات الصعود الطبقي والانتقام والثأر ودور القدر في كل ذلك.
اعتمد العرض على النص الأصلي ليمثل عودة إلى الاحتفاء بالمسرح الغنائي والاستعراضي، بالألحان الأصلية نفسها التي وضعها الموسيقار الراحل أحمد صدقي (1916 – 1987)، ونفذها الموسيقي الشاب يحيى الموجي.
تألق الفخراني بأداء مُرهف وحيوية تجاوزت «طبيعة جسده»، وبروح كوميدية، تجلت خصوصاً مع أداء الأغاني «بلاي باك». ولم يمنع صغر الدور لطفي لبيب، قاطع الطريق، من الإمساك بشخصية «الشرير» بخفة ظل. وأجاد ضياء عبد الخالق وسلمى غريب، في دورَي الوزير وزوجته التي تعاني من إهماله لها.
يُحسب للعرض إبرازه المطربين الشابين، محمد محسن وهبة مجدي، الخليفة والابنة، فكلاهما يتمتع بحضور مؤثر، مع صوت جميل مدرب جيداً على تراث الغناء المصري، ما يرشحهما لأعمال درامية موسيقية مُقبلة، علماً بأنّ العرض هو ثاني تجارب مُحسن المسرحية.
ورغم تعبير الديكور الذي صمّمه محمد الغرباوي عن أجواء العرض في لوحاته المختلفة، وسهولة تغييره بما يناسب عملاً استعراضياً، إلا أنّه بدا في أواخر الفصل الثاني معوقاً لحركة الاستعراضات التي صممها مجدي صابر، وجاءت ملائمة لدراما العرض. وتكاملت معها الأزياء للمهندسة نعيمة العجمي، بألوان مبهجة، وتصاميم مبتكرة للراقصين وأزياء تناسب الشخصيات.