القاهرة | البدايات الحماسية دائماً لا تعني أن النهايات ستكون سعيدة. هكذا تبدو حال الصحافة المكتوبة في مصر. الصحف الخاصة التي كان خروجها إلى النور، شعاع أمل أضاء ظلمة طويلة سيطرت فيها الحكومة على الصحف، انكسر بريقه، وخفت ضوؤه، وبات معظم تلك الصحف يسير بسرعة نحو الهاوية، وبالفعل وصل بعضها إلى الهاوية.

بداية الألفية الثانية كانت شاهدة على ظهور الصحف اليومية الخاصة. كان لجريدة «المصري اليوم» السبق، كونها أول جريدة يومية خاصة تحصل على تصريح مصري في الطبع والتوزيع في الداخل. قبلها، كانت الصحف تحصل على ترخيص أجنبي للتوزيع في مصر لأنّ القانون لم يكن يسمح وقتها بالترخيص لإصدار صحف خاصة.
بعد «المصري اليوم»، جاءت «الدستور» التي تحولت من أسبوعية إلى يومية. ومع حلول عام 2008، ظهرت جريدة «الشروق»، كإشراقة مختلفة على الصحافة المصرية.
اختلاف «الشروق» كان واضحاً منذ البداية. الجريدة صدرت عن مؤسسة مهتمة في الأصل بالصحافة، هي «مؤسسة الشروق للنشر والتوزيع». وكانت تصدر مجلة شهرية هي «وجهات نظر». تطور الأمر إلى رغبة جدية في جريدة يومية، وكانت الفكرة أن تكون مستقلة، وتبقى ملكيتها بعيدة عن رأس المال. هكذا، اختاروا ناشراً هو عمرو خفاجي الذي تولى تحديد السياسة العامة للجريدة من دون تدخل في النشر.
تشكيل مجلس تحرير الجريدة كان مختلفاً أيضاً. بخلاف الصحف التي كانت تصدر في ذلك الوقت، تشكّل مجلس تحرير ترأسه الصحافي الراحل سلامة أحمد سلامة، وضم في عضويته الصحافيين جميل مطر وحسن المستكاوي. وكان الناشر عمرو خفاجي، فيما كان عبد العظيم حماد أول رئيس تحرير لها. حين رحل حماد عن الجريدة، تولى خفاجي رئاسة التحرير، ثم رحل عمرو وأصبح عماد الدين حسين رئيس تحريرها التنفيذي، قبل أن يصبح رئيساً للتحرير الآن.
الجريدة كانت مختلفة حقاً. منذ البداية، تنبهت إلى أن الرأي أصبح أهم من الخبر. ولذلك، اختاروا جميل مطر، أحد أهم كتاب الرأي في الوطن العربي، ليكون مسؤولاً عن صفحة الرأي في الجريدة. وبالتالي، كانت لدى الصحيفة تنويعة مختلفة، وممتازة من كتّاب من كل الأطياف، والتيارات الفكرية والسياسية.


جريدتا «الوطن»
و«التحرير» على درب المعاناة
كتب لديهم اليساري والإخواني والإسلامي والليبرالي، واتفقت الجريدة مع عدد من الكتّاب العرب لنشر مقالات لهم في «الشروق» بصورة منتظمة، بل أجرت اتفاقاً مع عدد من الصحف الأجنبية لنشر مقالات لكتابها في «الشروق»، وهو ما كان أمراً مستحدثاً في الصحافة المصرية وقتها.
على مستوى التحرير العام للصحيفة، كانت المادة المنشورة متوازنة، تشبه إلى حد كبير جريدة «الأهرام» في رزانتها وحفاظها على التقاليد المهنية التي كادت أن تختفي وقتها. إلا أنّ المادة الصحافية التي كانت تنشرها «الشروق»، دفعت بعضهم إلى تصنيفها بأنها جريدة «نخبة النخبة»، كونها لم تنجر إلى العناوين الساخنة أو «الزاعقة» وكانت طوال الوقت تسعى إلى الموضوعية، وعرض جميع الآراء حول الموضوع الواحد. رغم كل ما سبق، تعاني «الشروق» حالياً من أزمة مالية طاحنة تهدد بتوقف الجريدة عن الصدور، وأدت إلى فصل عدد من الصحافيين، بالإضافة إلى تسريح عدد من قيادات الجريدة.
وفي أكثر من لقاء داخل المؤسسة، أبلغ رئيس التحرير عماد الدين حسين أنّ حل الأزمة المالية للجريدة يحتاج إلى فصل قرابة 150 صحافياً. من جهته، قال مالك الجريدة إبراهيم المعلم خلال اجتماع منذ شهر تقريباً، إنّ توقيع الصحيفة عقداً جديداً مع شركة الإعلانات «بروموميدا» يعدّ طوق النجاة للجريدة، إذ ستضخ شركة الإعلانات أموالاً جديدة للجريدة، وبالتالي ستنقذها من عثرتها المالية. ووعد المعلم الصحافيين بصرف 1500 جنيه لكل واحد، وجدولة باقي مستحقاتهم المالية المتأخرة، إلا أن تأجيل توقيع العقد أخّر تنفيذ ما وعد به المعلم.
وكان ظهور «الشروق» في السوق المصرية قد شكّل انقلاباً كبيراً في رواتب الصحافيين، كونها أول جريدة تمنح العاملين فيها رواتب عالية، مقارنةً بالصحف الأخرى، إذ وصلت رواتبها إلى 7 أضعاف الجرائد الأخرى. أزمة «الشروق» ليست الوحيدة في السوق حالياً، فجريدة «الوطن» الخاصة، تعاني أيضاً من أزمة مالية أدّت إلى تأخر صرف رواتب الصحافيين، بينما قررت جريدة «عالم اليوم» المتخصصة في الاقتصاد، خفض عدد المحررين إلى 20 فقط، وخفض المرتبات إلى 1000 جنيه (حوالى 140 دولاراً أميركياً) فقط لكل صحافي، وتكليف الصحافيين بالبحث عن إعلانات لصالح الجريدة وهو ما يخالف قانون نقابة الصحافيين. كذلك تعاني جريدة «التحرير» من أزمة مالية، ويهدد مالكها بوقف إصدارها إذا استمرت الأزمة.
هذا الوضع المالي للصحف الخاصة يؤكد أنّ هزة كبيرة تهدد تلك الصحف خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيؤدي إلى أزمة جديدة لنقابة الصحافيين التي ستقف أمام مئات من الإعلاميين ممن لن يكون لهم مكان للعمل.