في كتابه «علماء النهضة الأوروبية» (دار الفارابي) يقدم الباحث الأردني أيوب أبو ديّة بطاقة تعريف لأبرز علماء أوروبا في الفترة الممتدة بين عصر النهضة والعصر الحديث. وقبل أن يعرّفنا عضو رابطة الكتّاب الأردنيين بإنجازت الثورة العلمية الأوروبية، يحيلنا على إرهاصات النهضة، إذ يدرجها تحت عاملين: أثر الدفء المناخي في نهوض أوروبا؛ والاتصال بين العرب والغرب إثر الحرب الصليبية. لا يهدف أبو ديّة إلى تفكيك العلاقة العضوية بين الرأسمالية والحداثة، بل يموضع إشكاليته على الصعيد المعرفي، ويخلص إلى نتيجة أولية مفادها «أنّ الانطلاقة العلمية التي بدأت في إيطاليا وإسبانيا وجنوب فرنسا ارتبطت بالمحيط الجغرافي المتاخم للحضارة العربية الإسلامية». وفي الوقت نفسه، ينتقد الكاتب «المدرسة الأوروبية النقية» التي لم تقرّ بدور العرب في نقد الفلسفة الأرسطية.


وبغية تعزيز فرضيته، يؤكّد الكاتب أنّ تأسيس مدرسة شارتر في فرنسا، وهي المدرسة التي دعت إلى إصلاحات في التعليم العالي، كانت نتاج الاتصال الوثيق بالثقافة العربية ـــــ الإسلامية. فقد أسهمت حركة التعريب في تعريف أوروبا بالفكر اليوناني الذي اشتغل عليه العلماء العرب وعدلوه.
يستهل صاحب «العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة من كوبرنيك إلى هيوم» دراسته الموجزة مع الفيلسوف الإنكليزي روجر بايكون ( 1214 ـــ 1292) الذي نادى بكروية الأرض وبـ«لا نهائية الكون» على عكس علم الفلك الأرسطي. الحروب الصليبية، أدّت إلى انفتاح الأوروبيين على تراث فلسفي جديد، «...آنذاك كان العالم العربي مكتبة عظيمة تضمُّ التراث العالمي وإبداعات الحضارة العربية الإسلامية». لا يغفل أبو ديّة الإشارة أكثر من مرة إلى الدور الذي أدته البورجوازية الأوروبية الصاعدة على المستوى العلمي، فكلما تزايد توسع النظام الرأسمالي، ازدادت الحاجة إلى تقوية الاكتشافات العلمية.
يرسم أبو ديّة خريطة طريق تاريخية لأهم علماء أوروبا، بدءاً بروجر بايكون، وصولاً إلى إسحق نيوتن. وهو لا يسلّط الضوء على الفيزيائيين فحسب، بل يضع منظري العلوم السياسية في صلب اهتماماته أيضاً، ومن بينهم نيكولاس ماكيافللي صاحب المؤلف الشهير «الأمير»، الذي طالب بالملكية المطلقة لا بالنظام الجمهوري. وبصرف النّظر عن الخلاصات التي أسس لها الطبيب والمؤرّخ الفرنسي غوستاف لوبون (1841 ـــ 1931) عن علم نفس الجماهير، ومدى ارتباطها بنظرية ماكيافللي، لا شكّ أنّ هذا الأخير ترك تأثيراً واضحاً في الجيل الذي تبعه، من بينهم مونتسكيو، وتوماس هوبز.
وإذا كانت الثورة العلمية في علوم الفيزياء والطب والفلك والرياضيات أساس النهضة الأوروبية، فإنّ الإصلاح الديني مثل محورها الأهم، فمنذ بداية القرن السادس عشر، تنامت الحاجة الملحّة إلى الفصل بين الدين والعلم، مع تنامي الشعور القومي في المجتمعات الأوروبية، فكان رائد التيار الإنسانوي الفيلسوف الهولندي إيرازموس (1466 ــ 1536) في طليعة من رفضوا الحروب الصليبية، ومن طالبوا بالفهم التأويلي للنص الديني. كذلك أراد أنّ يقرب بين أتباع المذهب الكاثوليكي وأتباع الحركات الإصلاحية الجديدة. وعلى عكس ماكيافللي، الذي رأى أنّ الأخلاق الوثنية القائمة على الكبرياء وسلطة الحاكم معيار الحكم الناجح، «وضع إيرازموس قاعدة دولة الحرية والرفاه المستندة إلى الملك الحكيم، والعادل وفقاً للأخلاقيات المسيحية»، كما خلص الكاتب. في عصر العلم الحديث الممتد من أوائل القرن السادس عشر إلى أواخر القرن السابع عشر، يسلّط صاحب «إسماعيل مظهر: من الاشتراكية إلى الإسلام» الضوء على أبرز علماء هذه الحقبة، من بينهم: غوردانو برونو معتنق مذهب ابن رشد، وغاليليو غاليلي فاتح الفيزياء الحديثة، ووليم هارفي مكتشف الدورة الدموية.
يقدّم كتاب «علماء النهضة الأوروبية» بطاقة تعريف لأبرز علماء أوروبا، إبان عصر النهضة والأزمنة الحديثة، لكنّ أبو ديّة لم يأتِ بشيء جديد للمكتبة العربية. وبصرف النظر عن أهمية الأفكار التي تطرق إليها، كان من الأجدى له التركيز على كيفية تطور المؤسسات العلمية في الغرب، بدل العودة الدورية إلى إسهامات العرب في النهضة الأوروبية... على أمل أن تدرك المجتمعات العربية أهمية مأسسة العلوم كخطوة أساسية لاستعادة دورها الحضاري.