دمشق | مع انطلاق الاحتجاجات الشعبية في سوريا، اختار بعض الشباب استغلال هذا الواقع الجديد لتقديم أعمال فنية تتسم بالجرأة، وبسقف رقابي مرتفع. هكذا، انطلق السيناريست والصحافي الشاب علي وجيه مع مجموعة من زملائه المحترفين (المخرج وسيم السيد والممثلان وئام إسماعيل وحسام جليلاتي) في صناعة دراما تطرح طموحاتهم وآمالهم.

البداية كانت مع مسرحية «موقف الأزبكية من الأزمة المسرحية» («الأخبار» 5 تموز/ يوليو 2011) التي كتبها وأخرجها علي وجيه، وسعيد محمود. ثمّ شاهدنا فيلماً قصيراً بعنوان «نخاع» (راجع الكادر). وتلا هذين المشروعَين تعاونٌ مع موقع «بوسطة» الإلكتروني لإطلاق سلسلة أفلام درامية قصيرة من كتابة علي وجيه، وإخراج وسيم السيد، وتمثيل وئام إسماعيل وحسام جليلاتي، حملت عنوان «فلاش سوري كتير». والسلسلة هي عبارة عن اسكتشات خاطفة مستوحاة من الواقع السوري الحالي وانقسام الشارع علناً للمرة الأولى منذ أكثر من أربعين عاماً. وقد أصدر فريق العمل بياناً صحافياً منذ إطلاق العمل لتوضيح الفكرة التي يقوم عليها المشروع. وجاء في البيان أن السلسة «تناقش انعكاس الأحداث التي تشهدها سوريا على أطياف متنوعة من الشعب بعيداً عن التأطير أو النخبوية».
هكذا، قدّم هؤلاء الشباب مجموعة من اللوحات الكوميدية تابعها الجمهور عبر موقع «بوسطة»، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي. وقد تفاعل معها السوريون، وخصوصاً أنهم يتابعون للمرة الأولى عبر الشبكة العنكبوتية، محاولات جادة للإضاءة (بطريقة كوميدية) على ما يدور حولهم من أحداث.
اللوحات الأولى من السلسلة، التي قُدِّمت قبل أكثر من شهرَين، بدت مكررة وشبه منسوخة عمّا عرضته وتناولته الدراما السورية من قبل. لكن المحاولة الثانية كانت أكثر ابتكاراً، فشاهدنا ستّ لوحات جديدة بدأ عرضها أخيراً على الإنترنت. وبدا واضحاً أن اللوحات الجديدة أكثر نضجاً واحترافية، مع رفع سقف النقاش في القضايا المطروحة مع مجموعة من نجوم الدراما السورية الشباب وهم: شادي مقرش، علي صطوف، مازن عباس، أريج خضور، سوزان إبراهيم، وحسام اسكاف. كذلك أسهم غنى الأحداث وتصاعدها بنحو ملحوظ في سوريا في إمكان تقديم جرعات درامية سريعة تُحاكي تفاصيل يعايشها السوريون يومياً منذ اندلاع الاحتجاجات.
في حديثه مع «الأخبار» يقول علي وجيه الذي كتب نصّ الأفلام القصيرة: «هدفنا من هذه السلسة ليس الاتجار السياسي أو الوقوف إلى جانب طرف ضدّ آخر، ولا حتى السخرية من أحد. بل إن ما طرحناه موجّه إلى الناس العاديين فقط». ويضيف: «اللحظة الحالية في سوريا مناسبة لنقدّم فنّاً مختلفاً يلامس بعمق الظروف الراهنة». أما عن سبب عرض الأفلام القصيرة على الشبكة العنكبوتية، فيشير إلى نجاح التجارب المماثلة في الدول المجاورة، وخصوصاً «شنكبوت» في لبنان. ويكشف وجيه أن الإعلام السوري لم يتحمّس كثيراً للفكرة، «رغم أننا حاولنا نقلها إلى التلفزيون».
لكن هل تواجه تجربة من هذا النوع صعوبات تختلف عن تلك التي تواجهها صناعة الدراما التقليدية؟ يشرح مخرج اللوحات وسيم السيد أن الإمكانات المادية المتوافرة موّلها طاقم العمل، «ولا يوجد أي جهة داعمة لنا... كذلك هناك جهات رفضت الاستماع إلى مشروعنا أو تقديم تسهيلات، فالأدوات المستخدمة هي فقط ميكروفون وكاميرا عادية». ويضيف أنه رغم هذه الظروف «حاولنا تقديم النص بصورة بسيطة، لأن اللوحة في النهاية تعكس وجهات نظر مختلفة لأشخاص من الشارع».
بدوره، يوضح الممثل السوري الشاب مازن عباس أنه قبِل المشاركة في هذا العمل تطوعاً، لإيمانه المطلق بالتجربة الشابة «تماماً مثلما نحتاج نحن الممثلين إلى دعم الجهات المنتجة، والمخرجين المخضرمين، فإن مثل هذه التجارب الجديدة التي تشبهنا تحتاج إلى دعمنا». ويضيف: «ما أغراني في هذا العمل هو طريقة الكتابة والإخراج الجديدة، إلى جانب التركيز على مفهوم المواطنة بوضوح...». أما الممثل السوري شادي مقرش فيقول إن اللوحة التي صوّرها تتقاطع مع وجهة نظره الشخصية، وهذا سبب مهم لمشاركته في المشروع.
إذاً، بأقل التكاليف الممكنة، يقدم هؤلاء الشباب السوريون فكرة جديدة تستحق اهتمام صنّاع الدراما السورية بها ورعايتها. وهو ما بدأت به فعلاً «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني» من خلال إنتاجها لمجموعة كبيرة من الأفلام التلفزيونية الشبابية القصيرة. لكن يبقى السؤال عن قدرة القطاع الخاص على المغامرة بمثل هذه التجارب؟




«نخاع» قريباً في الصالات

سيكون الجمهور السوري على موعد مع الفيلم التلفزيوني القصير «نخاع» الذي كتبه علي وجيه، وأخرجه وسيم السيد وأنتجته «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني»، وهو من تمثيل: مازن عباس، ونسرين فندي. ومن المتوقّع عرض العمل في أكثر من صالة سينما في دمشق والمحافظات السورية. الفيلم هو الخطوة الأولى التي نفذتها المؤسسة ضمن خطتها «مشاريع الشباب» لعام 2011، التي تهدف إلى تشجيع جيل الشباب على التعبير عن آرائهم. وعن هذه التجربة يقول مخرج العمل وسيم السيد: «الفيلم سوريالي يتحدث عن العلاقة الزوجية غير المتكاملة والمحكومة بالحياة التقليدية والرتيبة».