عن «دار الغاوون»، تصدر باكورة الشاعر السوري غمكين مراد «الروح أوسع من أن يلبسها جسد». ومن العنوان الطويل، سنستشف النصوص الطويلة التي ضمها الكتاب ببنيتها السردية القائمة على التكرار من أجل توليد المعاني.

لا يشذ مراد (1977) عن شعراء هذه المرحلة بانحيازه إلى اليومي والمألوف. وهذه هي الموضوعة الأثيرة لدى الشعراء الشباب في العالم العربي اليوم، إلى جانب الحب والتغزل بالمحبوب، لكنّ مراد يخطّ لنفسه حيزاً مختلفاً، من خلال اللغة التي تبدو ترجمة للإرث الكردي الذي يحمله، من خلال محاولته إضفاء غطاء من الفلسفة على قصائده. «محض عبث يزاحم الترتيب في مجازاته/ على المصائر/ يغازل اختلال راحة في ميزان الوقت/ يملأ سلالاً للفاكهة من شجرة السم/ تحمله الموازين إلى القدر المنسوب إلى أبيه». يرى مراد في إحدى مقابلاته أنّ «الحركة الشعرية السورية متميزة، فهي تنبع من حركة الرواد الأوائل أمثال أدونيس وسليم بركات ونزيه أبو عفش... أمّا بالنسبة إلى الأسماء المعاصرة، فيصعب تحديدها في ظل وسيلة كالإنترنت، هذا إضافة إلى الوقت الضيق الذي يحاصر العلاقات ويفرض انتقائيته علينا».
لكنّ مراد لا يستطيع في هذا الديوان الخلاص من أثر تجربة الشاعر سليم بركات من دون أن تبلغ صوره ولغته مستوى بركات. لا ينجو الشاعر من عثرات الديوان الأول، لكنّنا نجد التماعات مراد وبصمته في بعض النصوص التي يشدها الواقع إلى مساميره بخيوط من فضة. «الآن أطرّز قميص الخيال بالفضة/ أصنع حذاء الرحيل من حديد/ أعلق على جدران الصمت مرآة غيابي/ أكتب بحبر الحنين عن قدري». هناك مفارقة في هذا الديوان هي النصوص الطويلة التي لا تلتقي مع تقنية القصيدة اليومية التي لا تحتمل التطويل والتكرار، بقدر ما تحتاج إلى ما هو وامض وقصير، وإلى فكرة بسيطة لا تتوسّل البلاغة، ولا تلحّ على الأفكار الفلسفية، لأنّها تتحدّث عما هو ملموس، ومعيش أكثر من الميتافيزيقيا والعدم.
لكن غمكين يحاول أن يمزج اليومي بالفلسفي وهو ما نقع عليه نادراً في القصيدة العربيّة. «أثقل الفكرة بما لا تحب لبه/ فأكون الحاجز الشفاف لذات يخبئها ملل عزيمتها/ وعندما تتناسل فكرتي/ أعد في اليوم أحفادها/ أتشظى أجزاءً من روح/ لأعيد النسل الهارب/ إلى شجرة العائلة».