القاهرة | كان في إمكان محمد هاشم أن يصبح أهمّ ناشر في مصر، لكنه يهرب دوماً من أفعال التفضيل... يريد أن يكون مجرد فرد، يشعل شمعة وسط ظلام. كان يمكنه جمع ثروة من مهنة النشر، كما فعل كثيرون، لكنّه يهرب أيضاً من الثروة والشهرة. رغم الديون التي أثقلت الدار، لم يتوقّف يوماً عن النشر. حالما يقرأ مخطوطاً يعجبه، أو كتاباً رفضته الدور الأخرى لجرأته السياسية، يقدم هاشم على نشره، غير عابئ بموازين الربح والخسارة.


«ميريت» التي أسسها عام 1998، ليست مجرّد دار نشر. لم ينسبها يوماً إلى نفسه، بل جعلها ملكاً لكلّ المثقفين والنشطاء السياسيين المصريين. لهذا دعمه الكاتب الراحل ابراهيم منصور، وساندها مثقفون كثر، حين كان تأسيس الدار مجرّد فكرة لدى هاشم. في تلك المرحلة، كانت السلطة قد ضاقت بالحريّة، وبدأت بتقديم التنازلات لتيارات الإسلام السياسي. وقتها أثيرت الأزمة الشهيرة حول «وليمة لأعشاب البحر» للروائي السوري حيدر حيدر، التي نشرتها هيئة قصور الثقافة، ثمّ صودرت. ولم تكد تمضي ستة أشهر، حتى تفجّرت أزمة أخرى عرفت باسم «الروايات الثلاث» التي صودرت أيضاً. وفي الوقت ذاته، راحت دور النشر ذات التوجهات الطليعية، تصفّي أعمالها لأسباب مالية. هكذا، أقفلت «دار سينا» أبوابها، وحدّت دار «شرقيات» من إصداراتها. نشأت «ميريت» في خضمّ هذا الحراك، واختير لها اسم فرعوني «انحيازاً إلى أصل حضاري عشق الفن والحياة، ولثقافة وطن تسعى قوى عديدة إلى طمس جذوره بأموال النفط»، بحسب هاشم.

تجاوزت «ميريت» دورها كدار نشر، للمشاركة في الأحداث السياسية، ومنها تأسيس جماعة «أدباء وفنانون من أجل التغيير»، الخارجة من رحم حركة «كفاية». عقدت الجماعة اجتماعاتها في مقرّ الدار. هناك أعدّت لفاعلىات ثقافية، ودعت إلى التظاهرات، ولعلّ أشهرها وقفة المثقفين المصريين قبل «25 يناير» ضدّ تفجيرات كنيسة القديسين في الإسكندرية. يومها، أصرّ أحد ضباط أمن الدولة، على الوقوف أمام مقر الدار، ليسجّل أسماء من يدخلون. في كلّ التظاهرات، كان هاشم يتولّى دعوة الجميع، يتصل بهم، ويؤكّد حضورهم، ويشارك في إنجاز الملصقات واللافتات... حتّى إنّه كان يشتري أحياناً الشموع للوقفات التضامنيّة الرمزية.
خلال «25 يناير»، حوّل الناشر المصري مكاتب «ميريت» إلى أحد مقارّ الثورة، ولم يغادرها طوال الأيام الـ 18. جعل منها خندقاً صغيراً، يعود الثوار الشباب إليه في المساء، طلباً لساعات من الراحة. كانوا يلقون بأجسادهم المرهقة هناك، وكان هاشم يمرّ عليهم فرداً فرداً. لم تتوقف الدار ساعة واحدة عن النشاط الدؤوب من أجل إنجاح الثورة... يمكن أيّ أحد أن يحمل ملاحظات سلبية على صاحب الرواية الوحيدة «ملاعب مفتوحة»، لكن يصعب أن يزايد عليه أحدهم في تعصّبه للحريّة. بعد القبض على علاء عبد الفتاح، أحد أشهر المدونيين المصريين، الأسبوع الماضي، أعلن الإضراب عن الطعام، تضامناً مع والدته الأكاديمية والناشطة السياسية ليلى سويف. لم يعلن الإضراب فقط تضامناً مع علاء وحده، بل مع 12 ألف معتقل سياسي جرت محاكمتهم عسكرياً بعد تنحي مبارك. وصلت رسالة المضربين إلى المجلس العسكري: «لن نتخلّى عن ثورتنا... نرفض المحاكمات العسكرية، والتنكيل بالنشطاء السياسيين. قلتم إن المرحلة الانتقالية 6 اشهر فقط، لكنّها طالت، ونريد أن نسمع منكم كلمة السلام علىكم».
يأتنس هاشم في إضرابه بعشرات المثقفين، والفنانين، ممن حوّلوا مكاتب «دار ميريت» إلى مسرح مفتوح للغناء والشعر. بعضهم يحاول إقناعه بفضّ الإضراب، لأنّه يعاني أمراضاً عديدة منها السكري، وارتفاع ضغط الدم، فضلاً عن هزال لا يؤهله للصمود ولو ساعتين من دون غذاء، لكنّه مصرّ على الإضراب الذي بدأه في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي. حتى إنّه ينقل إضرابه معه إلى ألمانيا، حيث يتسلّم مساء اليوم جائزة «هيرمان كيستن»، الممنوحة سنوياً من «نادي القلم الدولي» (PEN)، لكتّاب وناشرين يتصدون للاضطهاد. وقد منحت الجائزة لهاشم هذا العام، بوصفه «ناشراً صنع عالماً فكرياً، وجدت فيه حركة التجديد العربية تربة ثقافية خصبة، مطلقاً على داره الصغيرة، القريبة من ميدان التحرير، اسم «كعبة المثقفين»». وتقام حفلة تسليم الجائزة التي تبلغ قيمتها 10 آلاف يورو (حوالى 14 ألف دولار)، في مسرح مدينة دارمشتادت (جنوب ألمانيا). سيلقي كلمة التهنئة الكاتب والمترجم الألماني شتيفان فايدنر، كما سيلقي الناشر المصري نفسه كلمة. «لا حق لأحد، أي أحد، في أن يقف في وجه حريتي، تحت أيّ شعار ديني أو سياسي أو أخلاقي»، سيقول هاشم. سيهدي على الأرجح جائزته للمعتقلين السياسيين، ولشهداء الثورات العربية. في الوقت نفسه، سيقيم أصدقاؤه حفلةً في «دار ميريت» ضدّ حكم العسكر... ومهازل المحاكمات العسكريّة.