في كتابه الجديد «عمارة الحداثة في بغداد... سنوات التأسيس» (دار الأديب ـــ عمان، الأردن)، يؤرخ الباحث والمعماري خالد السلطاني (1941 ــــ الصويرة، العراق) لمرحلة حداثة العمارة في بلده العراق. عبر ثلاثة فصول، يأخذنا الكاتب في رحلة موثقة بالصور والتصاميم الهندسية الى الحقبة التي شهدت تأسيس هذه العمارة منذ العشرينيات وصولاً الى بداية الخمسينيات.


صحيح أن معظم المباني التي تندرج ضمن هذه الحقبة، صارت مهملة وهرمة أو حتى مدمّرة جراء الأحداث والهزّات التي عصفت ببلاد الرافدين، الا أن الشرح الوافي عنها وعن وظائفها الجمالية والإنشائية يقدمها إلينا السلطاني كافية للدلالة على ذهبية هذه المرحلة، التي وضعت الحجر الأساس للحداثة المعمارية، وتحوّل العراق الى نقطة استقطاب لأهم مهندسي العالم.
يبدأ الكاتب سرده من فترة حكم والي بغداد مدحت باشا (1822-1884) في أواخر عهد الحكم العثماني، التي اتسمت بإصلاحات وإجراءات اجتماعية وثقافية. معمارياً، أدخل مدحت باشا مفهوم الحدائق العامة والتقنيات الحديثة، التي مهّدت للانتقال الى عصر الحداثة. ومنها ينتقل المؤرخ الى عشية الحرب العالمية الأولى وما قبلها، وإطلالة على هذه الفترة بالتحديد، حيث تشييد الأسوار حول المدن. كانت وظيفة هذه الأسوار تأمين الحماية للسكان ووقايتهم أيضاً من خطر الفيضانات. لا شك في أن العوامل المناخية الصعبة في العراق من حرارة مرتفعة وجفاف، أدت دوراً أساسياً في طبيعة المواد الإنشائية المستخدمة في عملية البناء، إذ سعت الى التقليل من تأثير العوامل المناخية. كان البيت البغدادي يتسم بكثرة النوافذ المزخرفة والمنقوشة، وارتفاعها العالي، وخصوصاً تلك المطلة على الشوارع. كانت الحاجة هنا الى هذا العلو درءاً للتلصص. وفي الداخل، برز إنشاء السراديب ذات الجدران السميكة التي تتميز بانخفاضها عن الأرض، وعن روضة الدار أمتاراً عدة، وكانت تستخدم لقضاء ساعات القيلولة في أيام الصيف الحار.
في الفصل الثاني من الكتاب، يغوص بنا المؤلف في العقد العشريني، عصر الدخول في الحداثة المعمارية، التي شهدت تحولات كبرى على حد تعبيره. شهدت هذه الفترة تأسيس الدولة العراقية (1921)، فنُفِّذت أبنية جديدة أبرزها «مجموعة أبنية جامعة آل البيت» (الأعظمية) التي صممها البريطاني جيمس مولسون. إنّها عبارة عن مجموعة كليات يصل عددها الى 6 وتتمتع بمساحات خضراء شاسعة نظراً إلى ولع الانكليز بهذه الخاصية في البناء. تبعها في عام 1924 إنشاء «الكلية الدينية» في بغداد. كانت عبارة عن مجمع مبان مترابطة ضمن مجمع واحد. المعروف أن هذا المشروع ظل في طور التخطيط، ولم ينفذ منه إلا جزء بسيط. أشرف على تصميم الكلية مهندسون محترفون، ومنها انطلقت المرحلة الجديدة في تاريخ العمارة في العراق. يذكر خالد السلطاني هنا أن هذه المباني لم تراع ــ كما سابقاتها ــ العوامل المناخية والوظائفية، بل اتسمت ــ ولا سيما الكلية المذكورة ـــ بالفخامة التي تستعرض المظاهر.


كان البيت البغدادي يتسم
بكثرة النوافذ المزخرفة والمنقوشة وبارتفاعها العالي

تميّزت هذه الحقبة بالخصوصية والتفرد، وامتد زمنها حتى تخوم الحرب العالمية الثانية. أما العقد الثلاثيني، عهد استقلال الدولة العراقية، فقد أثّر على نحو مباشر في العمارة الحديثة التي امتزجت مع المتغيرات المجتمعية والسياسية والاقتصادية. هكذا، برز اهتمام دولي واسع بهذه البلاد، ما انعكس إيجاباً على تطورها المعماري. خلال تلك الفترة بالتحديد، يروي السلطاني، كيف بدأت عملية استقطاب العديد من المهندسين في العالم جراء عائدات النفط والاتفاقيات الدولية المبرمة في هذا الخصوص. وهنا، بدأ تشييد الأماكن الضخمة، والمباني الرسمية الحكومية التي أثرت المشهد المدني طبعاً. وهذا ما دفع بطبقة النخبة إلى تقليد هذا النمط من البناء الفخم وتطبيقه على منازلها، لكن بخلاف الفترة السابقة، لم يعر المهندسون أهمية لإيجاد حلول للصعوبات المناخية، بل كانت فردية بحت، أهملت عوامل المكان المحيطة. والملاحظ هنا، تحول هذه العمارة من وقف على الصفوة والنخب، الى أمر معماري مشاع بين باقي العراقيين.
العقد الثلاثيني شهد أيضاً دخول المعماريين العراقيين بأنفسهم الى هذا الميدان. كان المهندس أحمد مختار إبراهيم (1936) أول معماري عراقي محترف. ويبدو أنّ هذه الفترة كانت مفصلية، إذ يصفها الكاتب بـ «الإنقلاب»، الذي غيّر التخطيطات التقليدية، ووسّع المدينة البغدادية على نحو أكبر. هكذا، خلعت ثوبها القديم ولا سيما أسوارها، وازدانت بالمساحات الخضراء مع ظهور الحدائق العامة، وأيضاً بالتماثيل، فكان أول تمثال للملك فيصل الأول في منطقة الصالحية (1933).
وبرغم أهمية هذه المرحلة في إدخال روح الحداثة الى بغداد، الا أنّ الكاتب سرعان ما يخفف من وطأتها حين يحصر حداثتها في الإطار المرجعي وتكوينات عمارة الطرز «النيو كلاسيكي». ومع ذلك، أسست هذه العمارة للفترات اللاحقة، ومهدت الطريق لحداثة تخطت الحدود العراقية لتصل الى العالمية.
فترة الخمسينيات التي يسردها الفصل الثالث والأخير، تؤرخ للمرحلة الثانية من الحداثة المعمارية في بغداد. معها، ظهرت المرافق التخصصية في الهندسة، وأقيمت المشاريع المختلفة التنموية والعمرانية، التي جسدت طموح العراقيين. واكبت هذه النهضة ما أفرزته العمارة العالمية الحديثة التي دخلت بدورها الى مناهج المدارس والمعاهد الهندسية.
اتسمت هذه المرحلة بظهور أول المباني المتعددة الطوابق، وببروز منظومة كاسرات الشمس، التي توضع عادةً في واجهات المباني لتحدّ من حرارة المناخ العالية. وكان أول من استخدم هذه التقنية الفرنسي السويسري لوكوربوزبيه (1887 -1965). تجربة المهندسين الشباب كان لها وقعها في هذه الحقبة، وخصوصاً أولئك الذين وصلوا الى بلدهم بعد انتهاء دراستهم في الخارج. من أبرز هؤلاء المعماري رفعت الجادرجي (1926) الذي أدخل قيم الحداثة الى المشهد المعماري البغدادي. يلفت المؤرخ العراقي في هذا الإطار إلى هذه القيم بصفتها تتخطى الانتماء الى بيئة معينة لتعبّر عن فكر تجديدي للعمارة يطوّع من خلالها المعمار الأفكار لتتناسب مع خصوصية المكان والمحيط الذي تنفَّذ فيه. والبارز أيضاً في فترة الخمسينيات دعوة المعماريين العالميين للمجيء الى بغداد، ما أحدث حراكاً ثقافياً أكسب العاصمة العراقية نكهة خاصة افتقدتها معظم المدن العالمية.