جثة الطفل السوري إيلان كردي (3 سنوات) ملقاة على أحد الشواطئ التركية إبّان محاولة العائلة الهاربة من كوباني الوصول من بدروم إلى جزيرة «كوس» اليونانية. صورة صفعت ضمير أوروبا في بداية شهر أيلول (سبتمبر) الماضي (الأخبار 4/9/2015)، وشكّلت نقطة تحوّل في خطاب القارّة العجوز في ما يتعلّق بأزمة اللاجئين. الحقيقة التي بات يعرفها الجميع، صارت علمية وموثّقة، إثر نشر نتائج دراسة تحليلية جديدة أجريت في جامعة «شيفيلد» البريطانية. اختار الباحثون مواقع التواصل الاجتماعي مجالاً لعملهم، وتحديداً تويتر. شمل البحث حوالى ثلاثة ملايين بوست ظهرت في الساعات الأولى لانتشار صورة الطفل، فيما لفت إلى أنّ هذه اللقطة وصلت إلى أكثر من عشرين مليون شاشة (تلفزيونات وكمبيوترات وهواتف وألواح ذكية...) حول العالم في غضون 12 ساعة فقط.
أظهر التحليل أنّ البوستات الأوّلية التي نشرتها قلّة من الصحافيين على حساباتهم على تويتر، سرعان ما انتشرت بكثافة، مسجّلةً 53 ألف تغريدة كلّ ساعة، واصفاً ما حدث بـ «عاصفة على سوشال ميديا، شهدت تغييراً أساسياً في اللغة المستخدمة، مع اعتماد كلمة «لاجئ» بدلاً من «مهاجر غير شرعي» لتوصيف الواقع».
رئيسة المختبر البصري لمواقع التواصل الاجتماعي في «شيفيلد»، فريدا فيس، قالت لصحيفة «غارديان» البريطانية إنّه «بمجرّد رؤيتنا للصورة ورد الفعل الافتراضي عليها، شعرنا بأنّ هناك أمراً استثنائياً يحدث»، مضيفةً: «أردنا قياس تأثير هذا النوع من الصور على النقاش العام حول وضع المهاجرين واللاجئين. يظهر تحليلنا بوضوح أنّ القصّة لم تمسّ الجمهور العالمي فحسب، بل غيّرت طريقة تعبير مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عن الهجرة».

حلّلت «جامعة شيفيلد» ثلاثة ملايين تغريدة ظهرت في الساعات الأولى

استعانت فيس وفريقها بمعلومات زوّدتهم بها شريكتهم «بولسار» (قطاع خاص)، وهي منصة خاصة برصد السوشال ميديا. نائب رئيس المنتجات والأبحاث في «بولسار»، فرنسيسكو دورازيو، أوضح أنّه في غالبية عام 2015 «كان استخدام كلمتي مهاجرين ولاجئين متساوياً في الحوارات العامّة، بمعدّل 5.2 مليون تغريدة للأولى، مقابل 5.3 مليون تغريدة للثانية». لكنّ بدءاً من الثاني من أيلول، تغيّر الأمر كلياً. شدّد دورازيو على أنّ المنشورات راحت تتمحور حول كلمة لاجئين التي ظهرت في 6.5 مليون تغريدة، في مقابل 2.9 مليون فقط لكلمة مهاجرين.
تأكيداً على أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الشأن، قال دورازيو أيضاً إنّ تويتر سجّل قدرة كبيرة على الربط بين قصص اللجوء والأشخاص المعنيين بها، مساهماً في المساعدة على وصل الجمهور على صعيد الكرة الأرضية وانتشار تفاصيل حالاتهم قبل أن تبدأ الصحافة العالمية بتغطيتها. غير أنّ دورازيو يلفت هنا إلى أنّه لولا الصحافيين الموجودين على الأرض لما وصلت قصّة إيلان وغيره إلى المتلقي الصحيح.
من جهته، حلّل فريق البيانات الصحافية في «مختبر غوغل للأنباء» في كاليفورنيا ملايين عمليات البحث المتعلّقة بموت إيلان كردي لإظهار متى وأين وكيف بدأت. في هذا السياق، أشار سيمون رودجرز، محرّر البيانات في المختبر، إلى أنّ البحث بدأ قبل العاصفة التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي رأت فيه مديرة الأبحاث في «مركز تاو للصحافة الرقمية» في «جامعة كولومبيا» الأميركية، كلير وارديل، أنّه رغم أنّ 2015 هو العام الذي طرقت فيه أزمة اللاجئين السوريين أبواب أوروبا، إلا أنّ «الحقائق والبيانات تفيد بأنّ الوضع لم يكن ليكون كذلك قبل صورة إيلان».




استغلال الصورة في مصر

«لو الصورة صحيحة، بنقدّم الأسف والاعتذار للأشقاء السوريين. هذه الصورة تعبّر عن قُصر نظر اللي عملها، واعتزازنا بالجيش المصري ميخلناش نؤذي مشاعر الآخرين». الكلمات السابقة هي للإعلامي عمرو عبد الحميد مقدّم برنامج «البيت بيتك» على قناة TeN، وهو مقدّم الـ «توك شو» الوحيد الذي دان صورة مركبة أثارت الغضب عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد تداولها أخيراً. الصورة المركبة تظهر الطفل السوري إيلان التي تعدّ أشهر صور 2015 وكُتب فوقها «طفل فقد جيشه»، وإلى اليمين منها صورة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الطفل عمر صلاح خلال الاحتفال بافتتاح قناة السويس الجديدة والعبارة المرافقة لها هي «طفل معه جيشه».
صاحب هذه الصورة المركّبة – المجهول - الذي تعرض لتوبيخ كثيف، أراد إقناع المصريين بأنّ الجيش حماهم من مصير السوريين. لكن سرعان ما ابتلع طوفان السوشيال ميديا الصورة، قبل أن يُفاجأ كثيرون بعودتها لكن بشكل رسميّ هذه المرّة! إذ تحوّلت قبل أيام إلى لافتة كبيرة، تتصدّر بوابة طريق مصر إسكندرية الصحراوية. هذه الطريق التي تمرّ من خلالها آلاف السيارات يومياً، تخضع لإدارة وزارة الدفاع. ردود الفعل الغاضبة لم تثمر حتى الآن عن رفع الصورة المأساوية التي وظِّفت للترويج وخدمة أهداف سياسية بحت.