القاهرة | المصادفة وحدها أنقذت بعض اسكتشات ومقتنيات الفنان التشكيلي المصري الرائد حسين بيكار (1913 ـــ 2002) من الضياع. تدخّل وزير الثقافة المصري عماد أبو غازي قبل ساعة من بدء مزاد علني، كان مقرراً لبيع مقتنيات الفنان الراحل، لمصلحة «بنك ناصر» التابع لوزارة التضامن الاجتماعي. القصّة كما يرويها أبو غازي لـ«الأخبار» تشير إلى أنّ تراث بيكار تعرّض لعملية نهب منظّم، مارسه فنانون كثر، وبعض أقارب الفنان الراحل، ممن تردّدوا على بيته بعد وفاته، بحجّة العناية بزوجته التي رحلت قبل أشهر. وبحسب أبو غازي، فقد تولّى هؤلاء تبديد اسكتشات ولوحات نادرة للفنان، بذريعة تقديمها في معارض عامة، أو دراستها أكاديمياً، رغم أنّها ظلّت محفوظة في شقته الصغيرة في شارع حسن عاصم قرب «كلية الفنون الجميلة».


كيف يمكن إنقاذ إرث بيكار الضخم، وحفظه، وإتاحته أمام العموم؟ يشير وزير الثقافة المصري إلى صعوبة تحويل الشقة إلى متحف نظراً إلى وجودها في بناية تضمّ شققاً عديدة. كما أنّ المقتنيات التي تركها الفنان، بما في ذلك أثاث بيته المنظّم، تعرّضت للتشويه خلال مرض زوجته... وما يزيد الأمر صعوبةً أنّ الراحل لم يترك ورثة شرعيين، ما جعل تركته تؤول بحسب القانون المصري إلى مؤسسة «بيت المال» التابعة لوزارة التضامن. وقد أعلنت المؤسسة المذكورة عن إجراء المزاد العلني من دون إدراك حقيقي لما كانت تحويه من كنوز.
جاء تحرك وزارة الثقافة بعد اتصال تلقّاه أبو غازي من الكاتبة سميّة رمضان دعته فيه إلى التدخل، وإنقاذ محتويات الشقّة من البيع، ومنها اسكتشات نادرة رسمها بيكار لجمال عبد الناصر، إضافةً إلى بيانو صغير وآلة بزق كان التشكيلي الكبير يعزف عليها، وأشياء أخرى قيّمة لارتباطها بمسيرة واحد من أهمّ فناني عصره. وبعد اتصالات سريعة مع وزير التضامن الاجتماعي جودة عبد الخالق، تمّ تأجيل موعد المزاد ساعةً، حتى تمكّن خبراء تابعون لقطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة من التدخل، وجمع ما بقي من اسكتشات الفنان، وتخزينها في إحدى غرف الشقة. وبحسب رئيس القطاع صلاح المليجي، فقد أقفلت الغرفة بالشمع الأحمر، حفاظاً على ما فيها من مقتنيات سيعمد الخبراء الى توثيقها، وتقدير قيمتها الفنيّة قبل عرض ما يصلح منها في «متحف الفن الحديث» في القاهرة. لكنّ المليجي يؤكّد أنّه بخلاف الاسكتشات، لم يتوصل الخبراء إلى لوحات مكتملة رسمها بيكار، لأنّ غالبية اللوحات تعرّضت للتبديد. ولفت إلى أنّ آلة البزق، وأشياء أخرى تخصّ بيكار، لا تزال في حوزة أحد أقاربه الذي وعد بتسليمها في أقرب فرصة، بعدما أرشد إلى أماكن وجودها. ومن ناحية أخرى، أبدى عشّاق الفنان انزعاجهم من عدم تمكن الوزارة المعنية من وقف المزاد، إذ تمكن تجار الكتب والأثاث من شراء مكتبة تحوي أعمالاً نادرة. وبعيداً عن هذا الانزعاج المبرر، تشهد القاهرة تحركات من فنانين كانوا وثيقي الصلة ببيكار، على أمل تأسيس متحف يضم هذه المقتنيات بإشراف وزارة الثقافة.
تخرج هذه القضية إلى الضوء في الذكرى التاسعة لرحيل حسين بيكار في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002. صاحب «رسم بالكلمات»، تميّز باهتمامه البالغ بتطوير الرسم الصحافي، إضافةً إلى العناية برسوم الأطفال، إذ شارك سعيد العريان في تأسيس مجلة «سندباد» عن «دار المعارف». وقد أسهمت هذه المجلّة في إطلاق مواهب عديدة في مجال الكتابة والرسم للأطفال. كما وجه بيكار عنايته إلى فنّ البورتريه، وأنجز لوحاتٍ لشخصيات مصرية عاصرها. ومال أيضاً إلى التصميم الغرافيكي، وتطوير أغلفة الكتب. ولا يزال عشاقه يذكرون الأغلفة التي رسمها لأعمال عميد الأدب العربي طه حسين، على رأسها سيرته الفذّة «الأيام». كما اهتمّ بيكار برسم الجداريات، ويحمل مبنى برج القاهرة العملاق إحدى أجمل جدارياته. وكان الراحل عازفاً متمكناً من آلة العود، صوّره المصور المصري الرائد أحمد صبري في لوحة شهيرة وهو يعزف عليها. كما عرف بشغفه بآلة البزق. ونال بيكار أهم الجوائز والأوسمة المصرية، بما في ذلك جائزة مبارك للفنون عام 2002. وقد تجدد السجال أخيراً حول صحة اعتناقه البهائية على خلفية الأزمات التي ارتبطت بالوضع القانوني للبهائيين في مصر. ومن المعروف أنّه قد ألقي القبض على حسين بيكار عام 1975 ضمن مجموعة بهائيين، كانوا يمارسون طقوسهم الدينية بإشرافه المباشر، وما تردد عن ارتباط تلك المجموعة بإسرائيل... لكنّ هذه الواقعة لم تنل من قيمته الفنية ولا من حضوره الكبير في الثقافة المصرية المعاصرة. لقد أنقذ جزء من إرث بيكار الآن، فمن سيتولّى جمع لوحاته المبدّدة بين المقتنين؟




سيرة


حسين بيكار (بورتريه ذاتي) أحد أبرز التشكيليين المصريين في القرن العشرين. ولد في الاسكندرية عام 1913، من عائلة ذات أصول قبرصية، وتخرج من «كلية الفنون الجميلة» عام 1933. عمل مدرساً في مصر، كما انتدب للتدريس في الغرب بداية الأربعينيات. عمل رئيساً للقسم الحر في «كلية الفنون الجميلة»، قبل أن يلتحق بـ«أخبار اليوم» عند تأسيسها عام 1944، وبقي يعمل فيها حتى وفاته عام 2002.