لا تتحدث لوحات مطيع مراد (1977) مع المتلقي كثيراً، ولا تثير لديه انطباعاً فورياً. إنّها مكتفية بمذاقها الهندسي البارد والمحايد، بينما المتلقي مطالبٌ بالنفاذ إلى معادلاتها الدقيقة، وأسرارها الرياضية. الانطباع المطلوب مشروطٌ بتساؤلات فكرية وحسابية معقّدة (قد) تنتهي بكون هذه التساؤلات هي الانطباع نفسه تقريباً. في معرضه البيروتي الأول «البحث من خلال الزجاج 2»، الذي تحتضنه «غاليري أيام»، لا يقدّم الرسام السوري الشاب مساوماتٍ تقليدية. الرسم أشبه بلعبة ذهنية تدور بينه وبين لوحته.


أثناء دراسته في كلية الفنون وبعدها، أنجز مراد تعبيريات حارة. أَسْكنَ بشراً مجروحين وقلقين في لوحاته، لكنّه أدار ظهره لكل ذلك، وذهب إلى التجريد. ظلّت خطوطه ومربّعاته الصارمة مخترقة في البداية ببعض المنحنيات والتلطيخات اللونية التي كانت تمنح برودة التجريد بعض الحميمية والدفء. لكنّه تخفف منها أيضاً، محوّلاً اللوحة إلى ممارسة حسابية صافية. هكذا، باتت اللوحة مكتفية بمشاغلها الهندسية، وخالية من أي تعبير غنائي أو قلقٍ بشري. السّكينة التجريدية هي ما تقترحه اللوحات الثماني في المعرض، بينما القياسات الكبيرة توفر مساحات مناسبة كي تتمدد فيها هذه السكينة من دون جهد. مع ذلك، لا تبدو اللوحات خرساء. يحرّك مطيع مراد أعماله فوق طبقات متراكمة من التجريد العالمي والمحلي، ويحاول في الوقت نفسه أن يجد بصمة خاصة. فكرة أن جذور التجريد الهندسي موجودة في الفن الإسلامي وزخارفه المعمارية، مطوية تحت سطح أعماله. لن نجد تمثيلات وأشكالاً إسلامية صريحة. إنها ذاكرة قديمة تتراجع كي تفسح المجال لممارسات وتقنيات معاصرة.
استأنس مراد بمنجزات كاندنسكي وبول كلي. حكّ مخيّلته بأعمال ستيورات ديفيز وكازيمير ماليفتش، قبل أن يجد لمجازفاته التجريدية سنداً محلياً قوياً، في تجربة الفنان السوري الراحل مصطفى فتحي (1942ـــ 2009). الفارق أنّ مراد التقط روحية الخطوط لدى فتحي، وتجنّب مصادرها الأصلية في زخارف المنسوجات والحرف التقليدية. بحسب تعبيره، «ذهب مصطفى فتحي إلى الخارج وبحث في الطبيعة. أما أنا فقد ذهبت إلى الداخل، وكانت النتيجة أن أعمالي تشعّ منها حساسية الاستقراء». كأنّ مراد يقرّ باستبعاده للأثر البشري، لصالح إفراط في المعادلات الهندسية. كأنّ ممارسته طريقة لإظهار التفوّق على حساب أيّ هشاشة عفوية قد تجد حيزاً طفيفاً في أعماله. الواقع أنّ لوحات معرضه تعكس موهبة واضحة في تأليف جداريات هائلة، انطلاقاً من مربعات ميكروية متناهية الصغر. أحياناً تطفو هذه المربعات على طبقة ثانية من الألوان والأشكال كما في لوحة «تجربة 54»، أو تتلصص تلك الألوان من وراء المربعات كما في «تجربة 57»، أو تكون المربعات بيضاء كي تسمح لنا بمعاينة أفضل للألوان التي تتراءى تحتها كما في «تجربة 58».
في كل الأحوال، تدهشنا ديناميكية هذا الرسام الشاب وقدرته على صناعة مصائر متعددة لمسطحاته وخطوطه الهندسية. الزوغان البصري الذي تصنعه التصميمات الدقيقة، تشعرنا أحياناً بأننا أمام أعمال ثلاثية الأبعاد. إحساسٌ يتحالف مع مذاقٍ فسيفسائي بارد، يجعل فكرة أن ما نراه مستورد من كوكب آخر قابلة للتصديق. لعلّ هذا أيضاً جزءٌ من الطموحات الهندسية لتجريدات مراد الذي يضع أغلب نتاجه تحت عنوان «تجربة». كأن ما نراه ممارسة تجري في مختبرات سرية ومعزولة. لعل هذا ما يفسر شعورنا بصعوبة أن نرى هذه الأعمال معلقة في بيوتنا العادية. كأنها مصنوعة لفضاءات خالية ومحايدة وطاردة لحميميّاتنا البسيطة. كأن مطيع مراد يأتينا من المستقبل.




«البحث من خلال الزجاج 2»؛ حتى 31 كانون الأول (ديسمبر) المقبل ـــ «غاليري أيام» (بيروت). للاستعلام: 01/374450