تصنع أفلام مرزاق علوش الحدث دوماً في الجزائر وخارجها. صاحب «باب الواد سيتي» يفقه لغة الشارع، ويفهم لعبة السياسة. يعرف كيف يتخطّى هجمات منتقديه، ويكسب تعاطف الجمهور. أمّا حياته، فتلفّها تجارب كثيرة بين نجاحات وعثرات. أسهم علواش برفقة مجايليه، أمثال عمار العسكري، في نقل السينما الجزائرية من المحلية إلى العالمية. بعد العرض العالمي الأول لفيلمه الأخير «نورمال» في «مهرجان الدوحة ترايبيكا» الشهر الماضي، قال السينمائي الجزائري: «لست مخولاً الحديث في السياسة، وإلقاء الخطب، وكتابة البيانات.


دوري كسينمائي هو نقل الصورة كما هي، بتناقضاتها وصداميتها»، لكنّ الحياد الذي يدّعيه صاحب «عمر قتلاتو»، يبقى نسبياً في شريطه الجديد، إذ يصعب إخفاء رغبته في رؤية جزائر مختلفة، تكمل مسار ثورة «أكتوبر 1988» المجهضة. ويركّز العمل على معاناة شباب يحلم بنهاية «كابوس» الاستبداد، وبلوغ الحق في التعبير الحرّ.
طوال ثلاثة عقود من الإنتاج السينمائي، ساد الاستقرار علاقة مرزاق علواش بالأوساط الرسمية في الجزائر. فقد استفادت غالبية أعماله، منذ «عمر قتلاتو» (1976)، من دعم الجهات الحكومية، لكنّ الوضع اختلف بعد عام 2009، بعدما تجرّأ المخرج على كسر المحظور في فيلم «حراقة»، من خلال تطرّقه إلى مسألة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وانسداد الأفق في وجه الشباب الجزائري الحالم بالهروب من البلد. بقي الشريط سجين أدراج وزارة الثقافة، لكنّ غالبية الجزائريين اقتنوه من السوق السوداء، أو من حقائب الباعة المتجولين في الأحياء الشعبية.
في صيف عام 2009، بدأ العمل على مشروع «نورمال». «كانت فكرة الفيلم تدور حول الفساد في قطاع الثقافة» يقول. حاول توظيف تظاهرة «المهرجان الثقافي الأفريقي الثاني»، لتعرية الممارسات الانتهازية للقيّمين على القطاع. بسبب شحّ الميزانية، ورفض الوزارة تمويل المشروع، شرع صاحب «الدراجة» في التصوير بإمكاناته الخاصة، معتمداً على ممثلين شباب، لكنّ علواش أعلن انسحابه من المشروع بعد شهر ونصف شهر، بسبب العجز المادي. وجد حينها نفسه معزولاً فحزم حقائبه وعاد إلى فرنسا، حيث تعاقد مع قناة «فرانس2» لإخراج فيلم كوميدي، عن مهاجرة جزائرية تقيم في مرسيليا، بعنوان «طاطا بختة»، لكنّ الرغبة في إتمام الفيلم الجزائري بقيت تراود ذهن الرجل، إلى أن وجد يد العون عند «مؤسسة الدوحة للأفلام»، مطلع العام الحالي. هكذا، استدعى مَن عمل معهم في البداية، وأعاد معهم النظر في السيناريو، كما «حثّهم» على التحدث بتلقائية عن التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة، ليجري تصوير المشاهد في غضون 15 يوماً. «من غير المعقول أن نرى ما يحدث حولنا من تحولات، ونبقى مكتوفي الأيدي» يقول. انتقل الفيلم من معالجة فساد الثقافة، إلى فضح الاستبداد والرقابة، لينال بفضله جائزة «مهرجان الدوحة ترايبيكا» الأخيرة. عَرض «نورمال» الأول قوبل بانتقاد واسع في الجزائر، إذ عنونت إحدى الجرائد اليومية: «مرزاق علواش يسيء إلى الجزائريين». فردّ علواش: «سأبذل قصارى جهدي ليعرض الفيلم في الجزائر، كاملاً من دون حذف، حينها سيعرف الجمهور من أساء إلى الجزائر ومن خدمها».
بعد مسيرة فنية طويلة، يبدو أنّ علواش يدخل مرحلة إعادة النظر في كل شيء: «أنا من جيل عاش في ضبابية ما بعد حرب التحرير. أعتقد أنني كنت، مثل كثيرين، صبوراً ورومانسياً. كنت مثل غيري، أحمل آمالاً كبيرة بُعيد الاستقلال، لأن البلد كان يعيش مرحلة إعادة بناء. أمّا اليوم، فأرى أنّنا سنضطّر إلى إعادة النظر، وإعادة البناء من الصفر». لا يخفي ندمه على إنجاز شريط وثائقي بعنوان «الثورة الزراعية» (1974) يبارك فيه سياسة الرئيس الجزائري الأسبق الهواري بومدين وانتهاجه الاشتراكية. «كنّا جيلاً وقع ضحية الخطابات السياسية المزيّفة»، كما يبدي أسفه على قانون السينما الجديد في بلاده، الذي يجرِّد المخرجين من حقّ تصوير أيّ عمل عن تاريخ الجزائر من دون موافقة رسميّة من وزارة الثقافة، أو ما يسمّيها «الرقابة المقوننة». خريج المعهد الوطني للسينما (1964)، استطاع أن يجد نقطة ارتكاز وتميّز من خلال الانفتاح على السينما الفرنسية، والانسلاخ عن البوتقة المحلية. بدأ يفرض اسمه منذ باكورته «عمر قتلاتو» (1976)، شريطه الشهير الذي دخل المنافسة الرسمية في «مهرجان كان» (1977). عدّه النقاد حينها أول فيلم جزائري يتفادى الخطابات الشوفينية المستهلكة، عن الثورة وفضائل الاستقلال. يحكي الشريط بعض يوميات الدونجوان عمر (بوعلام بناني) وظروف عيشه الصعبة في الجزائر العاصمة، وتشتته بين مغازلة النساء، ومتاعبه اليومية في البيت والعمل. المرحلة الأهم في تجربته جاءت بعد انتقاله إلى فرنسا، مطلع الثمانينيات، حيث تولّى إخراج «الرجل الذي كان ينظر إلى النوافذ» (1986)، ثمّ اكتفى بالاشتغال لسنوات على أعمال تلفزيونية وثائقية، لمصلحة قنوات فرنسية. أعمال حملت قيمة تجارية أكثر منها فنية أو جمالية. وتجسدت عودة علواش الأهم إلى السينما والجمهور عام 1994، مع فيلم «حومة باب الواد» (باب الواد سيتي) الذي يعدّ اليوم من كلاسيكيات السينما الجزائرية. يعود العمل إلى بداية صعود التيار الإسلامي، ونهاية حلم الدولة الديموقراطية، من خلال شخصية حسان، الخباز الفقير الذي يقف في مواجهة الإسلامويين. يدخل علواش حيّ باب الواد الشهير، أكبر الأحياء الشعبية في الجزائر، ويحكي نهاية عقد «الحريات الفردية» ودخول البلاد جحيم الجماعات الدينية، وسيطرتها على الحياة الاجتماعية والسياسية، وتنصيب نفسها حكماً على ممارسات وسلوكيات الآخرين. سنوات التسعينيات مثّلت جرحاً في قلب الرجل، فآثر الردّ على قرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالصفح عن الجماعات الإرهابية، من خلال فيلم «العالم الآخر» (2001). هنا عرض رأيه في حقيقة التطرّف، وضرورة الحدّ منه بتوسيع هامش الحريات واحترام المرأة. يمثل الفيلمان المذكوران ـــــ إلى جانب فيلم «فيفا لالجيري» (2003) لنذير مخناش ـــــ الأفلام الثلاثة الوحيدة التي تناولت العنف الإسلاموي في جزائر ترفض النظر إلى نفسها من الداخل.
في عام 1996، عاد علواش إلى «كان» مع فيلم «مرحبا يا ابن العم». أدّى فيه دور البطولة المغربي جاد المليح (في دور علالو)، مصوراً دراما حياة المهاجرين الجزائريين في فرنسا. وتواصل التعاون بين المالح وعلواش في فيلم «شوشو» (2003) الذي يعدّ أوّل شريط عن المثليين العرب في باريس.
إحدى النقاط المحورية التي ترتكز عليها أفلام مرزاق علواش هي تصوير حي باب الواد. من هذا الحي، يستمدّ المخرج سيناريوهات أعماله. إنّه حي يختصر بلداً بأكمله. في باب الواد «كل شيء ماشي» يقول المثل. هناك فقط بإمكان الواحد أن يجد أو يشتري ما يشاء. من هنا تنطلق حكايات وأفلام مرزاق علواش، الذي يحلم «بربيع جزائري» قريب. «من خلال أفلامي، أستشعر واجب الالتزام، مثل أيّ مواطن عادي، أؤدي دوري كملاحظ للراهن. أتلقى دورياً عروضاً لتصوير أفلام في فرنسا، لأحكي عن فرنسا، لكن الجزائر وحدها من يشغل بالي. وحدها من أريد أن أصورها، وأن أحكي عنها».




5 تواريخ


1944
الولادة في الجزائر العاصمة

1976
باكورته «عمر قتلاتو» دخلت المسابقة الرسمية في «مهرجان كان»

1994
فيلم «حومة باب الواد» الذي أعلن عودته إلى السينما بعد غياب في كواليس التلفزيون

2001
شريطه «العالم الآخر» جاء إدانة للتسعينيات السوداء في بلاده

2011
حصل فيلمه «نورمال» على جائزة أفضل فيلم روائي طويل في «مهرجان الدوحة ترايبيكا»