يجلس الحلاق على طاولة المطبخ المتواضعة مع زوجته، وورقة الخمسين دولاراً أمامهما: يتأمل العملة، يدلّعها، ويتغزّل بعينيها الخضراوين... من يستطيع استدراج سيل الضحكات أمام مشهد مماثل غير فهمان؟ فارقنا محمود مبسوط (1941 ــ 2011) وهو يؤدي آخر أدواره على الخشبة في تموز (يوليو) الماضي. وها هو «مهرجان السينما الأوروبيّة» يخصص له أمسية تكريمية عبر عرض شريط «بيروت بعد الحلاقة» (27 د. ـــ 2005) للمخرج اللبناني هاني طمبا.


عرضه الآن تحيّة مزدوجة إلى الممثل الكوميدي الذي حجز مكانةً متقدّمة له في ثقافتنا الشعبيّة، وللمخرج الواعد الذي أنجز قبل عامين أوّل أعماله الروائية الطويلة «ميلودراما حبيبي». في «بيروت بعد الحلاقة»، يخطّ طمبا سرديّة لأثر الحرب على المدينة وساكنيها بطريقة مبطّنة. بخفّته وعفويته المعتادتين، يؤدّي مبسوط دور حلاق أطاحت الحرب متجره، فصار يعمل بين المقاهي والبيوت. يستدلّ يوماً على «السيّد ريمون» (رفيق علي أحمد) المعتكف في بيته القديم منذ رحيل زوجته (جوليا قصّار) مع نهاية الحرب. طيف الزوجة لم يفارق المنزل. يحتفظ الزوج المكلوم بأشياء حبيبته الراحلة: سلحفاة اسمها إيزابيل، كاسيت، وبورتريه غير مكتمل رسمه لها. يصير الحلاق صلة وصله الوحيدة مع العالم الخارجي... فهل سيخرج السيّد المتعلّق ببيروت الماضي، إلى بيروت الحاضر؟ وهل سيستطيع تمييز مدينته، وسط عوالمها المتغيّرة، بعدما مسحت شوارعها وأبنيتها القديمة؟
تحضر ذاكرة الحرب بقوّة في خلفيّة العمل: ريمون الذي يرفض التخلّي عن أطياف الماضي، لم يدرك أنّ عالمه القديم لم يعد له أيّ وجود في الراهن. مع الأداء الاحترافي لمحمود مبسوط، ورفيق علي أحمد، وجوليا قصار، وفادي رعيدي، ينسج هاني طمبا بذكاء حبكة تحكي الحرب وما بعدها من خلال ومضات. في أحد المشاهد، يمرّ عامل تنظيف، وهو يكنس الغبار عن حجارة أزقة وسط المدينة، الخالية من الزوّار.

تكريم محمود مبسوط: 19:30 مساء 4 ك1 (ديسمبر) المقبل




مدن وحلّاقون

بدأ هاني طمبا (1961) مسيرته بوثائقي «بيروت... حلاّقو المدينة» (1997)، تبعه روائيان قصيران «مبروك مجدّداً» (1999)، و«بيروت... بعد الحلاقة» (2005 ـــ «سيزار» أفضل روائي قصير)، وصولاً إلى باكورته الطويلة «ميلودراما حبيبي» (2008)


After Shave /BEYROUTH, APRES RASAGE (extrait) by J00J002007