في ذلك اليوم الماطر الذي جمعتنا فيه الصدفة في قطار سريع متوجه إلى برلين، لم يكن الوقت مناسباً ولا كافياً لأشرح لك موقفي من إيديولوجيتك، وأقول لك كل ما في جعبتي عمّا تروّج له من خلال لباسك وأقوالك. اسمح لي أن أواصل ما بدأت قوله لك بدون لف ولا دوران. لقد بحثت في أوراقي المنشورة، ووجدت لك نصاً أحوّله خطاباً موجهاً إليك وحدك.


أنت تحبِّذ صورة الماضي الجميلة التي تنحت في خيالك على الحاضر الذي يتحدّاك بأسئلته الكبرى وتهاب أكثر المستقبل الغامض الذي ينتظرك. أمام عجزك الفادح عن ابتداع نموذج ثقافيّ آخر، طالما منّيت النفس به، لم يبق لك سوى الاحتماء وراء الذكريات والاختفاء في حنين مزمن إلى ماضيك البطوليّ التليد.
مع تراكم محنك وخطوبك، ما انفكّ ماضيك المؤمثل، المتوهّم، يتحوّل إلى حاجة حيوية، بل إلى مركوب تمتطيه لتهرب من واقعك الشحيح، إذ أصبح ذكرك واجترارك ذاك الماضي البعيد تنفيساً لروحك المكبّلة بقيود حرمان حاضرك.
مع تعاقب السنين العجاف تلو العجاف، اشتد شعورك بالانتماء إلى ماض لا تريد أن يمضي، وتحوّل شعورك هذا إلى تضخّم وهميّ لـ«أناك» حال دون تجاوزك لذهنية الحروب الصليبية وبسيكولوجية الثأر ومنطق «هم هم ونحن نحن»، فكأنّك لم تدرك أو تتظاهر بعدم الإدراك أنّ النور يأتي اليوم من غيرك وأنّ شمسك لم تعد تسطع على أحد.
فرغم أنّ التاريخ يؤكّد لك بُعد ذلك التصوّر الورديّ لتاريخك عن الحقيقة الموضوعية، فلأسباب تعويضيّة جليّة، تبقى تلك الصّور المثالية عالقة في مخيّلتك لا يهزّها منطق ولا علم، وهكذا يغدو الماضي، في وعيك ولاوعيك، وعداً، وتُمسي الأساطير لديك أهمّ من التاريخ.
تجد يا صديقي في هذه الواحة الافتراضية مكاناً هادئاً تتصالح فيه مع ذاتك بعيداً عن فظاعة الراهن وأخطار الآتي. «كنتُ، كائناً أنا، وسأكون»، يقول مقطع من النشيد القوميّ السويديّ. كذلك هي حالك، أنت لا تتغير أبداً. تبقى رازحاً دوماً تحت سلطة أمْسِكَ الأبديّ، فأنت من بين المخلوقات النادرة التي لا تطالها التغيرات.


لا يخلو تصوّرك للتاريخ من
نفحات خلاصية أسطورية رغم ثورة المعلومات
تبقى هويّتك دائماً كما هي، رغم تعاقب الأزمان وتغير الأمكنة وتجدّد الأحوال. أضلّتك نُخبك غير المُعمّمة بتنازلها المستمر لسذاجاتك. أما تلك المعمّمة، فجعلتك تكره ما سمّته «آخر زمان»، فالحاضر يقول شيوخك، تيه وضلال، لأنّ الذاهب أحسن من الآتي. يُرهبك هؤلاء الرهبان من هذا ــ الآن وذاك ــ المستقبل، ويُرغّبونك في العودة إلى الوراء ليسجنوا يومك وغدك في سراديب ذاكرة مؤسطرة لا تملّ ولا تكلّ من التغزّل بأمس الأجداد، فتُضخّمه تارة، وتقدّسه أخرى وتُحرّفه في كل حين. أنت ترجع إلى الوراء هروباً إلى الأمام، بل تَفرّ من ذاتك إلى ذاتك لتعوّض خسارتك للعالم. وغالباً ما يخطر في بالك تحويل مقتك لنفسك إلى حقد وعنف ضد الآخر كما فعل في باريس إخوة لك في دينك الجديد الذي ابتدعت. هل تعلم بأن هؤلاء الذين يدّعون الدفاع عن رسول المسلمين قد قتلوا مسلمين يحملان اسمين من أسمائه: مصطفى وأحمد؟ وهل تعلم بأن كل عمل غير لائق أو أحمق يتم باسم الدفاع عن الإسلام سيعود بنتائج كارثية على المسلمين أينما كانوا في الغرب أو خارجه؟ وقد بدأ المسلمون يحصدون أولى أشواك هذا العمل الإجرامي الذي ارتكبه إخوانك في الأصولية.لا تجني من كل هذا ومن عبادة الذكريات في النهاية سوى تهييج ذاكرتك، ولا يتسنى لك، بأيّ حال من الأحوال، أن تحوّل تجاربك إلى وعي تاريخيّ. وهكذا يصعب عليك الانتقال من الذكرى إلى المستقبل. التفافك شبه المرضيّ إلى الوراء يمنعك من القفز إلى الأمام. من شدّة حنينك إلى عصرك الذهبيّ المفترض، لم تتمكّن من تجاوز النظرة الفقهية للتاريخ. ما زلت تنتظر اليوم الذي لا ريب فيه، يوم تنتصر على العالم أجمع. قلّما قرأتَ تاريخك قراءة موضوعية، فلا يخلو تصوّرك للتاريخ من نفحات خلاصية أسطورية رغم ثورة المعلومات وتطوّر سبل المعرفة والبحث التاريخيّ. تتمترس داخل ثكنة أنا سلفي إذن أنا موجود، فيسمّرك هذا الكوجيطو الإسمنتيّ في مكانك، يبعدك عن حاضرك ويضمن لك غياباً أكيداً في عالم الغد المعولم.صديقي، كأني بك لا تملك وطناً واقعيّاً في العالم المعاصر، فاسمح لي أن أقول لك إنّك تائه بين الذي لم يعد والذي لم يحصُل بعد. تبكي الأوّلَ الذي راح دون رجعة وتنتظر الثاني الذي طال انتظاره. ويبقى وطنك المثالي الذي تحلم به نائماً في بطون كتب تراثك ومصروخاً به في خطب أئمتك وترّهات دعاتك. دعني أحصّل لك في النهاية حاصلاً: إنّ أزمتك تكمن في عجزك الفادح عن تشخيص مرضك وهضم فشلك. وهما أمران متلازمان لا يشفى منهما قبل الشفاء من وثنية التاريخ. أنت في حاجة ملحّة لنظرية علمية صارمة في موضوع انحطاطك الحضاري، تجعلك تضع النقاط المناسبة على الحروف المناسبة، وتزرع فيك الوعي بأنّ مصائبك تعود بالأساس إلى ما أنت عليه، لا إلى ما هو عليه الآخر. يغلب المنطوق النصّيّ على التدبير العقليّ في تفكيرك وسلوكك، وما زلت تتشبث بما يعوقك ويفاقم مشاكل حاضرك بدعوى الأصالة والهوية، فكن شجاعاً واستخدم عقلك!
أفهم أنك تبحث عمّا يريح نفسك المتعبة، لكن إلى متى تبقى غارقاً في لجج الخطابات الديماغوجية الحالمة وسهل الانقياد لمن نصبوا أنفسهم عليك قادة ربانيين؟ عليك صديقي أن تقطع الطريق أمام الكهنوت الإسلامويّ الذي يحترف إفناء ذاتيتك وناسوتيتك، ويعتاش من تعبئة مشاعرك الدينية تعبئة دائمة، ويلهيك مسيلاً لعابك بحديث عن دولة فاضلة، ذلك الكائن الهلاميّ الذي لم يشهد التاريخ له وجوداً قطّ.
أعرف أنك تتوهّم امتلاك الحقيقة المطلقة، بل تعتبر نفسك مُؤتمناً حصريّاً على الحقيقة المنزّلة ولا ترى في الآخرين سوى ضالّين تائهين حمقى، ومع ذلك اسمح لي أن أسألك سؤالاً أخيراً أتمنى ألا تجده أحمقَ: هل النصّ هو مرجع الحياة أم الحياة هي التي ينبغي أن تكون مرجعاً للنصّ؟
طال الزمن أو قصر، سيتسلّل الفعل النقديّ إلى مقولاتك المحنّطة، وحينها ستعود من الماضي وتكفّ عن معاداة الصيرورة وتفتح موسماً للهجرة نحو المستقبل.
* روائي جزائري