منذ عام، جرت التصفيات النهائية لـ«مسابقة شوبان الدولية في العزف على البيانو» (الدورة 16)، ونالت المرتبة الأولى الروسية يوليانا أفديفا (1985). هنا، نتناول تداعيات هذه الدورة التي تضاربت الآراء بشأن نتائجها، انطلاقاً من تاريخ هذه المسابقة التي تعدّ الأبرز في عالم البيانو، وصولاً إلى آخر أخبار عازف البيانو النمساوي، إنغولف فوندر (1985) الذي حلّ في المرتبة الثانية، بينما رأى كثيرون أن تقدير لجنة الحكم أتى مجحفاً بحقه. في عام 1927، انطلقت «مسابقة شوبان الدولية في العزف على البيانو» في بولونيا، تخليداً لذكرى المؤلف البولوني الكبير فريدريك شوبان (1810 ـــ 1849) الذي ارتبط اسمه بآلة البيانو بنحو شبه حصري.


تقام هذه المسابقة كل خمس سنوات (توقفت أثناء الحرب العالمية الثانية)، وهي بمثابة جائزة نوبل في العزف على البيانو، إذ يتقدّم إليها أبرز المواهب من كل أنحاء العالم، إضافة إلى صعوبة المراحل التي يمرّ بها المتبارون وجديّة وصرامة لجنة الحكم التي تتألف من شخصيات مرموقة في عالم البيانو والموسيقى. حتى إن المرتبة الأولى لا ينالها الأفضل، بل من يرقى أداؤه أعمال شوبان إلى مستويات عالية، تقنية وغير تقنية. والدليل هو عدم منح هذه المرتبة في بعض الدورات لغياب مَن يستحقّها (حصل ذلك في دورتيْ 1990 و1995).
في عام 2010 كانت للدورة حيثية خاصة، إذ تزامنت مع الذكرى المئوية الثانية لولادة شوبان. غير أن متابعة المسابقة في كل مراحلها، من قبَل الصحافة، لم تنتهِ بعد إعلان نتائج المرحلة الأخيرة. لجنة الحكم اختارت يوليانا أفديفا في المرتبة الأولى وإينغولف فوندر (Ingolf Wunder) في المرتبة الثانية. أما النقاد وأصحاب الاختصاص وممثّلو الناشرين الكبار في عالم الموسيقى الكلاسيكية، فأجمعوا على أن فوندر كان يستحق أن يأتي أول، وأفديفا لا تستحق أيّاً من المراتب الأولى. سال حبرٌ كثير في الصحافة البولونية، وكذلك في المجلات الأوروبية المتخصّصة، ما دفع أعضاء لجنة الحكم إلى إطلاق تصريحات تبرِّر خيارهم. أما الجمهور، فتساءل مَن مِن الطرفيْن على حقّ، لجنة الحكم أم المعترضون على قرارها؟ الجواب أتى مع مرور الوقت، إذ حسم الموضوع الناشر الألماني الأول في عالم الموسيقى الكلاسيكية «دويتشيه غراموفون» الذي وقّع عقداً حصرياً مع إنغولف فوندر في شباط (فبراير) الماضي، بعدما جرت العادة عبر التاريخ أن يتبنّى صاحب المرتبة الأولى (ماوريزيو بوليني/1960، مارتا أرغيريتش/1965، كريستيان زيمرمان/1975، يوندي لي/2000، رافال بليشاتش/2005...). هكذا أصدر فوندر أخيراً تسجيلاً حوى مجموعة أعمال للبيانو المنفرد لشوبان، بينما لم نسمع شيئاً عن يوليانا أفديفا منذ نيلها الجائزة المرموقة! في باقة الأعمال هذه، نسمع أداءً ممتازاً للسوناتة الثالثة للبيانو، وأداءً فوق العادة لـ«بالاد» رقم 4، وغيرها من المقطوعات التي تؤكّد أن فوندر دخل نادي الكبار من الباب الواسع.
إذاً، حسم «دويتشيه غراموفون» لصالح المتباري النمساوي، ليذكرنا بالفضيحة التي رافقت دورة 1980، حين استقالت عازفة البيانو الأسطورية مارتا أرغيريتش (صاحبة الجائزة الأولى في دورة 1965) اعتراضاً على إبعاد الكرواتي إيفو بوغوريليتش الذي لم ينلْ أياً من المراتب الست الأولى. يومها، أتى موقف أرغيريتش صائباً، وتبنّاه الناشر الألماني المذكور، فأخذ بوغوريليتش تحت أجنحته وأنجز معه تسجيلاتٍ تاريخية في عالم الموسيقى الكلاسيكية (أبرزها لشوبان وسكارلاتي).
لكن المفارقة الأكبر أن مارتا أرغيريتش التي انفردت كامرأة بحيازتها الجائزة الأولى في هذه المسابقة لغاية الدورة الأخيرة، كانت السنة الماضية أيضاً عضواً في لجنة التحكيم! عذراً مارتا، أخطأتِ التقدير هذه المرة. ففي الموسيقى والفنون عموماً، قد لا تعمل الخبرة في الاتجاه الصحيح أحياناً.