تونس | بينما تتشكّل الحكومة التونسية التي أوكل لحركة «النهضة» اختيار أعضائها، يبدو أن بعض المؤسسات الإعلامية تتسابق لتقديم الولاء للقادة الجدد في بلاد ما بعد الثورة. إذاعة «الزيتونة» الدينية التي أطلقها محمد صخر الماطري صهر الرئيس المخلوع عام 2007 بهدف «نشر قيم الاعتدال والوسطية والتسامح»، أصبحت بعد «ثورة 14 فبراير» وفرار مالكها (وُجهت إليه تهم الإثراء غير المشروع) تحت إدارة الدولة التونسية.


ومنذ ذلك الحين، تشتغل الإذاعة على البرامج نفسها مع إجراء بعض التعديلات في تركيبة المشرفين عليها. ثم تغيّر الوضع بعدما تقرر تعيين الباحثة إقبال الغربي على رأس «الزيتونة»، مما أثار موجة احتجاجات أطلقها العاملون في الإذاعة.
موظّفو «الزيتونة» احتجّوا على تعيين الغربي ونفّذوا إضراباً عن العمل. خلال تلك الفترة، لم تبث الإذاعة سوى تلاوات قرآنية على مدار الساعة. المحتجون وقعوا على نص عريضة طالبوا فيها بـ«الحفاظ على إدارة المؤسسة وعلى رأسها الشيخ محمد مشفر، وعدم استبداله بأي كان من خارج الاختصاص. إذ إنّ استبداله يُعدّ محاولة لتشويه صورة الإذاعة والعاملين فيها وتغيير مسارها الواضح الذي يتلاءم مع ما يريده مستمعوها». إقبال الغربي التي تعمل أستاذة علم النفس في المعهد العالي لأصول الدين في «جامعة الزيتونة»، هي من أبرز المدافعات عما يسمى «الإسلام النسوي»، قالت في إحدى الندوات: «الإسلام النسوي يتوخى القراءة التاريخية أي القراءة النسبية، وهو يقطع مع القراءة الحرفية للنص المقدس. المهم أن نصالح الإسلام اليوم مع القيم الكونية. فالمساواة بين الجنسين أصبحت قيمة مهمة وثابتة في حياتنا المعاصرة». وتدافع الغربي عن إمامة النساء للصلاة.
وعن ردها بخصوص عدم تقبل صحافيي «الزيتونة» لها ووصفها بـ«اليسارية وعدوة الإسلام»، أجابت إقبال أنّ «الإضراب عن العمل حق مشروع ووسيلة من وسائل الاحتجاج الشرعية»، مضيفة: «لكن المضرب عن العمل لا بد من أن يشرح دواعي الإضراب. وأنا بصفتي مديرة الإذاعة، لا أعرف حتى هذه اللحظة سبب كل هذه الاحتجاجات، وهذا الرفض لشخصي من قبل العاملين في المؤسسة. وحتى الآن، لم أستطع تقديم تصوّري لطريقة العمل».
عضو النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين منجي الخضراوي، اتهم المدير السابق للاذاعة محمد مشفر بوقوفه وراء التحريض على إقبال الغربي. وأشار الخضراوي إلى أنّ مشفر يسعى بهذا العمل إلى إخفاء الملفات المحرجة التي كانت تربطه بأجهزة النظام السابق.
ويعتقد أنّ من بين أسباب غضب المحتجين على تعيين الغربي أنّها أول امرأة تتولى إدارة الإذاعة الدينية، لا سيما أنّها لا تنتمي فكرياً إلى المرجعية التي يؤمن بها الموظفون. وشهدت القضية انعطافاً خطيراً عندما أقدم أحد الأشخاص قال إنّه يمثل شرطة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (!) بمنع إقبال الغربي من دخول مقر الإذاعة.