دمشق | منذ صدور قانونَي الأحزاب والإعلام في سوريا، روّج الإعلام الرسمي لفكرة أنّهما بداية حقيقية لمرحلة جديدة في البلد، بينما تغزّل بعض المسؤولين بحداثتهما وعصريتهما. أمّا قراء الصحافة العربية، فاستبشروا خيراً وانتظروا المجلس الوطني للإعلام كي يزاول مهماته، متأمّلين أن يضع حدّاً لسياسة المنع التي تتخذها السلطات بحق غالبية الصحف العربية، بما فيها تلك التي تعترف بوجود عصابات مسلحة وتهاجم فكرة التدخل الخارجي في سوريا.

وأخيراً صدر مرسوم رئاسي عُيِّن بموجبه طالب قاضي أمين رئيساً للمجلس الوطني للإعلام، وفؤاد عبد المجيد البلاط نائباً للرئيس، وعادل يازجي، وناديا خوست، وحسن محمد يوسف،

وناظم بحصاص، ومحمد قجة، وفؤاد شربجي، وعبد الفتاح العوض أعضاءً للمجلس. وفي أول تصريح لرئيس المجلس، أوضح طالب قاضي أمين أنّ المجلس «سيكون مسؤولاً عن أداء الإعلام الوطني الرسمي والخاص في سوريا، ويتابع تنفيذ قانون الإعلام 108 للعام 2011 الذي يتميز بأنه قانون شامل لكل أشكال العمل الإعلامي»، مشيراً إلى أن استقلالية المجلس إدارياً ومالياً تجعل مسؤوليته أكبر في متابعة القضايا الإعلامية وتنفيذ القانون. بعد ثلاثة أيام على صدور المرسوم والتصريح العريض لرئيس المجلس، نشر الكاتب والمسرحي المعارض بسام جنيد مقالة رأي في جريدة «بلدنا» السورية اليومية (بتاريخ 23/11/2011) التي ترأست تحريرها أخيراً الكاتبة والإعلامية ديانا جبور. ورغم أنّ صفحة الرأي مذيّلة بعبارة تفيد بأنّ المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها لا عن رأي الجريدة، كان سلوك السلطات حاسماً، كأنّ سوريا لم تشهد أي حدث استثنائي منذ ثمانية أشهر حتى اليوم. بكل بساطة، تصرّفت السلطات كما كانت تتصرف قبل بداية الاحتجاجات، فنزلت إلى منافذ بيع الصحف وصادرت كل أعداد الجريدة بحجّة أن المقال يسيء إلى البعثيين من دون وثائق، إذ ورد في المقال: «اليوم سقط آخر شعار من شعارات حزب البعث. بعدما سقط شعار «الحرية» منذ أكثر من أربعين عاماً ومن بعده سقط شعار «الاشتراكية» منذ 11 عاماً، اليوم ـــ وبحسب جميع الموالين والأعضاء العاملين والقياديين في الحزب ـــ سقط شعار «الوحدة» (...) بربكم، ماذا بقي من هذا الحزب سوى مجموعة لصوص أتخموا من النهب والسرقة تحت غطاء الوطنية؟». وطالب كاتب المقال النظام ببدء الإصلاحات سريعاً... في اليوم التالي، خرج طالب قاضي أمين عبر صفحات الجريدة ذاتها ليؤكد ضرورة ممارسة حرية الإعلام لكن من دون الإساءة إلى أحد من دون براهين. لكن بسام جنيد يقول لـ«الأخبار» إنّ «من الغريب أن نعود إلى عقلية المنع والتهويل، ونحاول أن نقنع أنفسنا ومن حولنا بأن جملة واحدة قادرة على تخريب بلد، بينما الدماء السورية تسفك منذ ثمانية شهور». ويفصح جنيد عن أنّه «أجرى أكثر من لقاء لوسائل إعلامية تلفزيونية مُنعت، وكتب أكثر من مقال لم يبصر النور، وعند نشر المقال الأخير تعرّضت الجريدة للمنع بينما تعرضت شخصياً لهجوم حاد من البعض». من جانب آخر، صرّح مصدر إعلامي رفيع المستوى لـ«الأخبار»، فضّل عدم ذكر اسمه، بأنّ المجلس الوطني للإعلام لم يزاول عمله بعد، وأن اجتماعه الأول عقد أول من أمس السبت، وهو لا يستطيع اتخاذ إجراءاته وصلاحياته إلا بعد مباشرة اجتماعاته الدورية.
من جهة ثانية يبدو أن الرقابة على الصحف العربية لم تتغيّر هي الأخرى. لا تزال السلطات تمنع دخول غالبية الصحف العربية بنسخاتها الورقية إلى عاصمة الأمويين بسبب مقالات كتّابها ومواقفهم ممّا يحصل في سوريا، بينما لا تزال تلك الصحف تصل عبر مواقعها الإلكترونية. وسط ذلك، تحتل جريدة «الديار» اللبنانية موقعها الدائم على واجهات محال بيع الصحف في دمشق، إذ لا يذكر السوريون أنّ عدداً واحداً من الجريدة اللبنانية منع بسبب محاباتها الدائمة للنظام السوري. في الوقت نفسه، لم تختلف الصورة على صعيد الصحف المحلية. بل وجد القارئ نفسه أمام خيارات محدودة أطلق عليها بعض المراقبين تسمية «صحف رغماً عنك». وهي الصحف الرسمية السورية («البعث» و«الثورة» و«تشرين»)، تضاف إليها جريدة «الوطن» التي باتت تعدّ نسخة إضافية عن الصحافة الرسمية. وقد ازدحمت تلك الصحف بمعلّقات المديح المجاني للنظام. وفي هذا الإطار، يشير المسرحي السوري بسام جنيد إلى أنّ «مؤسسات الدولة الإعلامية تمنع دخول شخصيات تحمل نفساً معارضاً، بينما تأتينا عروض عمل من بعض القنوات التي تحرّض على الدم السوري بأرقام مغرية، لكننا لن نقبل بهذه العروض». على أي حال، يبدو أنّ قانون الإعلام الجديد سقط في اختباره الأول، وبات واضحاً للسوريين أنّ شعار حرية الصحافة ليس سوى وهم.




نفضة في «بلدنا»

منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية في سوريا وارتفاع أعداد القتلى، بدت جريدة «بلدنا» كأنّها تصدر من مكان ناء أو من دولة مجاورة لسوريا، ولا تعنى بكل تطورات الأحداث المتلاحقة ولا بالدماء التي سقطت في عدد من المدن السورية. لكن تغيّر الأمر حين اختارت «المجموعة المتحدة للنشر والإعلان والتسويق» (مجد سليمان) التي تملك الجريدة، أن تسلّم إدارة تحرير الصحيفة إلى الإعلامية ديانا جبور التي صنعت حراكاً واضحاً على صفحات الجريدة، إذ كتبت مجموعة من زوايا الرأي والافتتاحيات التي صُنِّفت أنها أفضل ما كتبته الصحافة السورية بعد الأزمة.