رانية اسطفان تقتفي أثر «السندريلا»

في نوع من الحنين إلى زمن السينما المصرية الجميل، وإهداءً إلى «سندريلا الشاشة العربية»، تقدم المخرجة اللبنانية رانية اسطفان عملها الفيديو «اختفاءات سعاد حسني الثلاثة» (2010 ــــ 70 د). رحلة بصريّة متخيّلة تحتفي بأحد أبرز وجوه الشاشة العربية.

في الشريط الذي عرضته أخيراً صالة «مكان» في سينما «الرينبو» في عمان (تلاه حوار مع المخرجة)، نشاهد سعاد حسني (1943 ـــ 2001) من خلال الأدوار المتعددة التي قامت بأدائها عبر رحلتها في السينما المصرية. هنا، جمعت المخرجة العديد من المشاهد السينمائية من أفلامها المختلفة، وقامت بتركيبها في لعبة توليف خاصة، من دون ترتيب سينمائي، لتنتج عملاً فنياً مركباً، يعتمد على توثيق الفيديو في إنتاج قصة متخيلة ذات ثلاثة أجزاء، يرينا كل جزء مرحلة من حياة سعاد حسني متمثلة في أفلامها بدلاً من استخدام مواد أرشيفية تسجيلية واقعية. يبدو التسلسل الذي اختارته المخرجة واضحاً في تقسيمها للفيلم إلى ثلاثة فصول. في القسم الأول، نلاحظ ثيمات البراءة والشباب والحب والتعلق بالعائلة. مشاهد الحب مع عبد الحليم، ورشدي أباظة، وحسن يوسف، والرغبة في التمثيل. في القسم الثاني، تجتاح الرغبة الجنسية والشهوة والإغراء المشاهد. تقتحم ألوان الفيديو القاتمة بالأحمر والأزرق الشاشة لتمتزج مع العواطف. بعدها، نشاهد في القسم الثالث التقدم في العمر، والمصاعب المتمثلة في القلق والكوابيس والخوف. اللقطات المجمعة تبدو كنوع من المخاطبة الحلمية لكل من الجمهور الموجود، وسعاد المتواجدة في مكان ما وراء الشاشة.
في الفيلم الذي نال جائزة أفضل فيلم وثائقي في «مهرجان الدوحة ترايبيكا» الأخير، يبدو الحنين الركيزة الثابتة التي تستند إليها المخرجة لما تقدمه عبر اللقطات المجمعة التي اشتغلت عليها لفترة طويلة. مع سهولة استخدام المصطلح، إلا أنّه لا مفر من تلك النوستالجيا إلى زمن السينما المصرية الجميل من خلال أحد أهم وجوهها. بالنسبة إلى رانية اسطفان التي درست السينما في أستراليا، فإنّ سعاد حسني تشكّل مفتاح تلك الحقبة السينمائية بكل ما تمثله. من بين الأفلام التسعين التي مثلتها بين الستينيات والتسعينيات من القرن الماضي، شاهدت اسطفان 76 فيلماً استخدمت منها ستين في تجميع اللقطات المختلفة. وفيما يبدو العنوان خادعاً بشكله المباشر، تخبرنا اسطفان أنّ اختيارها لعنوان الفيلم يعكس ثلاثة اختفاءات. الاختفاء الأول هو وفاة سعاد حسني في العام 2001، والثاني هو انتهاء ذلك العصر الذهبي للسينما المصرية. أما الاختفاء الثالث فهو اختفاء صورة الـVHS التي استخدمتها اسطفان بنحو رئيسي مادة جمعت منها اللقطات.
ورغم بساطة الفيلم ظاهرياً، فإن الجهد المبذول في تجميع اللقطات المختلفة يجعل الشريط يحتمل محاولات تفسير أعمق حين نربطه بالواقع الاجتماعي في تلك الفترة، وهو ما قد يعكسه تلقي المشاهدين متفاوتي الأعمار لهذا الفيلم، بين ضحكات بريئة من قبل صغار السن وابتسامات هادئة للأكبر عمراً. رانية اسطفان تنجح هنا في تناول حياة شخصية جدلية في حياتها كما في أدوارها السينمائية المتعددة، ونقلها إلى عمل تجريبي سهل التلقي، لا يطرح أسئلة بقدر ما يحتفي بالصورة السينمائية في تفاعلها مع محيطها.