باريس | من المؤكّد أننا حيال ظاهرة، وإن كنّا لا نعرف مداها بعد. حركة الاحتجاج التي تشهدها مئات المدن في ما لا يقلّ عن ثمانين بلداً، مرشحة للاتساع. قد يكون مفهوماً أن تثير حركة «احتلال وول ستريت» في أميركا اهتماماً خاصاً، بالنظر إلى موقع القوة الأعظم في رسم السياسات الاقتصادية والمالية في زمن العولمة، وتشابك المصالح العابرة للحدود الوطنية والقومية. والحال أنّ الحركة هذه بدأت قبل خمسة أشهر في ساحة مدريد حيث تظاهر واعتصم آلاف الشبان الرافضين لتوسيع الهوة بين الفقراء والأثرياء، والاستهتار بالقيمة الإنسانية للبشر.


العديد من هؤلاء المنتفضين استلهموا نشاطهم من انتفاضات الربيع العربي. وبعضهم أفصح عن مرجعيات أخرى لحراكهم ترقى إلى «الأغورا» أي «ساحة» التداول العام في أثينا زمن الإغريق. اللافت ـــ بحسب تحقيقات صحافية ميدانية أجريت حول المحتجين في بروكسيل ـــ أن قلّة من هؤلاء سمعوا باسم ستيفان هسل. وهذا أمر مستغرب؛ إذ إنّ الناشطين الإسبان الذين احتلوا ساحة «بويرتا ديل سول» في مدريد، أطلقوا على أنفسهم اسماً مأخوذاً من عنوان كرّاس وضعه هسل قبل سنة ونصف سنة تقريباً، وبيع منه في فرنسا خلال الأسبوعين الأولين نحو نصف مليون نسخة.
النسخة الفرنسية الأصليّة تقع في أقلّ من ثلاثين صفحة، كتبها هسل ابن الرابعة والتسعين. نُقل هذا الكرّاس إلى لغات عدّة، وبلغ رقم مبيعاته قرابة خمسة ملايين. وفي إشارة إلى نجاح الكرّاس، نشير إلى أنّ النسخة التي في حوزتنا صدرت مطلع العام الحالي، وهي الطبعة الثالثة عشرة. وقد صدرت أخيراً عن «دار الجمل» بترجمة عربية للكرّاس أنجزها بحبّ وحماسة باديين، صالح الأشمر. تضمّنت النسخة العربية الواقعة في نيف وسبعين صفحة، ملحقاً من صفحات عدة، هو بمثابة ملف يحتوي على مقالات وردود تعكس بعض وجوه المناظرة التي أطلقها فرنسياً كُتيّب هسل. الملف هذا ـــــ بحسب تنويه الناشر ـــــ أعدّه الشاعر والجامعي العراقي كاظم جهاد المتضلع في شؤون الترجمة وشجونها ومسائلها الفلسفية والدلالية.
حملت الترجمة العربية لكتاب هسل عنوان «اغضبوا». ولا نستبعد أن يكون المترجم قد حار بعض الشيء في تعريب العنوان الفرنسي وهو indignez-vous الذي يحضّ على الإفصاح عن التأثر والانفعال رفضاً لامتهان الكرامة. نرجّح أن المترجم ارتأى مجتهداً استخدام كلمة تجيز اشتقاق اسم الفاعل. وهذا ما ينطبق على «غضب» و«سخط». وبالفعل، اعتمدت وسائل الإعلام العربية اسمي فاعل هما «الغاضبون» و«الساخطون» لتعريب التسمية التي اشتهر بها المحتجّون. تفضيل كلمة على أخرى ليس دائماً مسألة محض فنّية. المعنى الأصلي للغضب والسخط ـــــ بحسب ابن منظور ـــــ يفيد عدم الرضى، مع فارق دلالي لطيف هو أن «الغضب» نقيض الرضى، فيما يدل «السخط» على عدم الرضى. يبقى أنّ الشحنة الدلالية للكلمات لا تلتصق بالمعنى القاموسي، ما دامت اللغة تنمو وتذهب حيثما تشاء، أي بمقتضى مواصفات الحراك أو التطور الاجتماعي والتاريخي والثقافي. وهذا ما حمل صالح الأشمر على اختيار الغضب. والحال أنّ المعنى الأقرب بالعربية إلى الصيغة الفرنسية هو رفض المهانة، وهذا ما يمكن، بحسب اجتهادنا المتواضع، أن يدلّ عليه فعل «هان» يهون في المعنى الذي نشره المتنبي في بيته الحكمي المعروف:
«من يهن يسهل الهوان عليه/ ما لجرح بميت إيلام». إلا أنّ من الصعب اشتقاق اسم فاعل من كلمة واحدة، فلا يبقى لنا سوى مركّب إضافة مثل «رافضو المهانة»، وهذا ثقيل بعض الشيء في زمننا التواصلي. الذين فضّلوا السخط والساخطين افترضوا، على الأرجح، أن الغضب أقوى من السخط، وأكثر استظهاراً للانفعال. فضلاً عن أن الغضب حمّال أوجه في ثقافات مجتمعات عربية شديدة التنوع والتفاوت، حتى في السلوك اليومي البسيط. والرجل، أي هسل، اختار بالفرنسية صيغة أمر ودعوة تحضّ على التعبير عن غضب ملجوم ومقيّد بمحاذير كثيرة. وهنا وجه المفارقة في كرّاس هسل. فهو دعوة موجهة إلى مواطني العالم، وشبانه خصوصاً، لكي يفصحوا عن «غضب هادئ» ضد الجشع المالي وضد سياسات تستهين وتستخفّ بالناس وحقهم في الحياة بكرامة.
يتمتع هسل برصيد أخلاقي كبير، وبصدقية فكرية. يعلم أنّ تعقيدات العالم، وغموض الشبكات الحاجبة لمراكز القرار، وطغيان ثقافة الاستهلاك المفضية إلى اللامبالاة، كلّ هذه تجعل الشبان فاقدين تقريباً لنقاط استدلال تسعفهم في تلمّس الطريق. وقد افترض وهو في الثالثة والتسعين، أنّ حياته المديدة والحافلة بتجربة طويلة في الحقل الدبلوماسي، تحتوي على أشياء تستحق أن تنقل إلى الأجيال الحالية. الصفحات التي يخصصها هسل لغضبه بخصوص فلسطين، أثارت حمية أصحاب الرؤوس الحامية ودهاقنة التحريض، فشنوا حملة مسعورة عليه نجد في الترجمة العربية بعض عباراتها الدنيئة، مع ردود عليها من مثقفين آخرين. وكان المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية قد احتفى قبل عام تقريباً بمنع ندوة في دار المعلمين العليا، تضمّ هسل وممثلة فلسطين في المفوضية الأوروبية ليلى شهيد وآخرين. وتجمع في اليوم التالي قرابة ألف شخص في ساحة «البانتيون» القريبة، احتجاجاً على هذا المنع. وكان المجلس المذكور قد توجه بالشكر إلى الذين ساهموا في منع الرجل من التحدث داخل الصرح الأكاديمي الذي تخرّج منه، وهم بالطبع نجوم بفضل صلاتهم القوية بدوائر النفوذ.
ضدّ هذا النوع من النجومية ـــــ صنيعة الاقتصاد المالي والثقافة الاستهلاكية ـــــ يأتي كرّاس هسل ليشير بلغة بسيطة إلى إمكان فعل شيء. فهو يقدم مرجعيات أخرى من شأنها أن تخرج الشبان والمواطنين من حال الخمود واللامبالاة. فيذكّرهم بتجربة المجلس الأعلى للمقاومة الفرنسية الذي ضم مختلف القوى السياسية والنقابية، ووضع برنامجاً لدولة الرعاية ومكتسباتها الاجتماعية. ويستأنف دوراً للمثقف الخائض في الشأن العام، والمقبل بنزاهة على الالتزام بقضايا المجتمع والعالم. وهو دور جسّده الفيلسوف جان بول سارتر قبل أن يتردّى المشهد الفلسفي والفكري، منذ ثلاثة عقود تقريباً، ويتحوّل إلى استعراض لنجومية إعلامية فاقعة تخلط بين الرأس، وتسريحة الشعر. وفي هذا المعنى يكون هسل أقرب إلى نجومية أخلاقية نقيض، تستعيد وتفعّل صورتين. واحدة عن السياسة باعتبارها فن حفظ الكرامة والحياة اللائقة، والثانية عن الفرد الملتزم كما تصوَّره وحضّ على بنائه سارتر. إلا أنّه يتمسك برفض العنف ويدعو إلى تمرّد مدني سلمي. إنه غضب هادئ، يحاكي شعار «القوة الهادئة» العزيز على الحزب الاشتراكي الفرنسي. ولا غرابة في الأمر. الرجل شارك منذ فترة في مهرجان سياسي دعماً لمارتين أوبري في الانتخابات التمهيدية التي نظمها الحزب الاشتراكي لتعيين مرشحه للانتخابات الرئاسية في السنة المقبلة.




سيرة

ولد ستيفان هسل عام 1917 في برلين من أب يهودي مثقف وأم رسّامة. انتقلت العائلة إلى باريس عام 1924 ودخل ستيفان إلى دار المعلمين العليا. خاض تجربة مريرة في المعتقلات النازية ثم التحق بالمقاومة الفرنسية وبالجنرال ديغول، وفرّ من المعتقل أكثر من مرّة.